جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٨٠ - المسافة الملفّقة
..........
الخبر على اشتراط ذلك في القصر، بل أقصاه أنّه (عليه السلام) قصّر في هذا الحال، و هو مجمع عليه.
اللهمّ إلّا أن يستفاد من ذكر الراوي أنّه رجع ليومه اعتبار ذلك، و إلّا لم تكن فائدة في ذكره، بل يكون كذكره بعض الامور التي لا مدخليّة لها من دخول البيت و نحوه.
لكن ذلك مبنيّ على حجّية فهم الراوي خصوصاً مثل هذا الراوي الذي لم نعلمه؛ إذ الخبر مرسل، و مثل هذا الفهم الذي هو بمنزلة الحكم منه إذا لم يرجع إلى تفسير لفظ أو تعيّن [١] مرادٍ أو نحوهما ممّا يكون فهمه حجّة فيه بعد التسليم، فاستفادة هذا الحكم من أمثال ذلك كما ترى. و منها ما عن كتاب الصوم من المقنع المرسل قال: سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل أتى سوقاً يتسوّق بها و هي من منزله أربع فراسخ فإن هو أتاها على الدابّة أتاها في بعض يوم و إن ركب السفن لم يأتها في يوم؟ قال: «يتمّ الراكب الذي يرجع من يومه صومه، و يقصّر صاحب السفن» [٢] بناءً على عدم إمكان صحّة ظاهره؛ إذ هو دالّ بمنطوقه على وجوب الصوم لقاصد الأربعة الراجع لليوم، و هو إنّما يتمشّى على القول بتخيير الراجع ليومه في الصلاة دون الصوم، أو القول بسقوط اعتبار الأربعة و لو مع الرجوع لليوم مع إلغاء المفهوم على [القول] الأخير. و هما خلاف الأقوال المعتبرة في المسألة. و القول بهما على تقدير ثبوته مرغوب عنه. و أيضاً مفهوم الخبر يقضي باختصاص الراجع لليوم بوجوب الصوم دون غير الراجع، و هو خلاف إجماع العلماء كافّة، بل خلاف المعلوم بالضرورة من عدم اشتراط القصر فيهما بانتفاء الرجوع لليوم، عكس المشهور من اشتراط الرجوع فيه كما هو واضح. و أيضاً فالسائل قد سأل عن رجل خرج متسوّقاً، و ظاهر الحال فيه عدم الرجوع ليومه، فالجواب غير مطابق للسؤال، كما أنّه لا يطابقه بالنسبة للصوم؛ إذ ظاهر سؤال السائل الصلاة؛ لأنّها الغالب، أو الأعمّ منها و من الصوم.
و لا مخلص من هذه الإشكالات إلّا بتقدير النفي قبل «يرجع»، إمّا لأنّه سقط من النسّاخ، أو أنّه كقوله تعالى: (تَاللّٰهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ) [٣] و قول امرئ القيس: «فقلت يمين اللّٰه أبرح قاعداً» أو بدعوى أنّ المراد من «يرجع» التمكّن من الرجوع و لمّا يرجع مجازاً من غير حذف و إسقاط، و حينئذٍ تتّجه دلالته على اعتبار الرجوع لليوم في الإفطار.
و فيه: أنّه حينئذٍ من المأوّل الذي ليس بحجّة، بل من أخسّ أفراده. و دعوى أنّه ظاهر في ذلك و لو بملاحظة قرائن تعذّر الصحّة و مخالفة الإجماع أو لمطابقته للسؤال و نحو ذلك، كما ترى.
و منها: عبارة الفقه الرضوي المتقدّمة سابقاً [٤] التي يبنى الاستدلال بها على حجّيته المفقودة عندنا. لكن قد يقال: إنّ جميع هذه الإشعارات التي اشيرت [٥] إليها مع ملاحظة الشهرة العظيمة و إجماع الأمالي و غيره ممّا تقدّم سابقاً يكفي في حصول الظنّ باعتبار الرجوع ليومه، إلّا أنّه لا يخفى عليك أنّ المتّبع الدليل لا هذه الخرافات.
نعم لا ينبغي ترك ما أوصينا به من الاحتياط الذي جعله اللّٰه ساحل بحر الهلكة.
[١] في باقي النسخ: «تعيين».
[٢] المقنع: ١٩٩. الوسائل ٨: ٤٦٧، ب ٣ من صلاة المسافر، ح ١٣.
[٣] يوسف: ٨٥.
[٤] تقدّم في ص ٤٧٠.
[٥] في نسخة: «اشير».