جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥١٤ - الترخّص للمكاري و الجمّال و نحوها إذا أنشئوا سفراً لا يدخل في عملهم
..........
٣- و الآخر: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المكارين الذين يختلفون؟ فقال: «إذا جدّوا السير فليقصّروا» [١].
فلا يراد منها إنشاؤهم السفر غير المعتاد لهم و إن حكي عن الذكرى [٢]؛ ضرورة كونها [النصوص] عنه بمعزل، و لا كون التقصير لقيام العشرة كما في المختلف [٣]، أو لعدم تحقّق أصل الكثرة كما في الروض [٤].
بل المنساق منها إرادة شدّة السير لهم و العنف فيه، أو بأن يجعلوا المنزلين منزلًا كما نصّ عليه في الكافي بعد المرسل السابق.
فيجب حينئذٍ طرحها؛ لعدم ظهور عامل بها من الطائفة عدا ما يظهر من الشيخ في التهذيب و الاستبصار من العمل به على الثاني [٥] [و هو أن يجعلوا المنزلين منزلًا]، محتجّاً له- بعد ما حكاه عن الكليني أيضاً- بمرفوع محمّد بن عمران الأشعري عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام): «الجمّال و المكاري إذا جدّ بهما السير فليقصّروا فيما بين المنزلين، و يتمّا في المنزل» [٦]، و ربّما مال إليه أو إلى ما يقرب منه سيّد المدارك [٧] و المقدّس البغدادي. و لعلّه:
١- لأنّه مقتضى الجمع بين الإطلاق و التقييد.
٢- و لما يلاقونه في الفرض من شدّة الجهد و التعب المناسبين لشرعيّة القصر.
٣- و لانصراف تلك الإطلاقات إلى السير المتعارف.
لكن لا يخفى عليك أنّه لا شهادة في الخبر المزبور على ذلك، بل أقصاه مساواته للنصوص السابقة في المضمون، فإمّا أن تطرح جميعها لقصورها بسبب الإعراض عن تقييد تلك الإطلاقات الممنوع انصرافها إلى غيره، أو تحمل على ما ذكرناه أوّلًا من إنشائهم السفر الذي لا يدخل في عملهم و صنعتهم عرفاً بتقريب إرادة اتّصال السفر- كسفر الحجّ و نحوه- من الجدّ فيها كما عن الذكرى [٨]، و إن كان بعيداً جدّاً. بل في الرياض التأمّل في المحمول عليه نفسه، قال: «لعدم دليل صالح عليه إلّا بعض التلويحات و الإشعارات المستخرجة من جملة من المعتبرة المعلّلة وجوب التمام على كثير السفر بأنّه عمله و أنّ بيته معه، و بعض الصحاح الذي لم أفهم دلالته، و في الاعتماد عليها بمجرّدها إشكال يصعب معه الخروج عن مقتضى الأدلّة العامّة، و الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه في المسألة» [٩]. و هو عجيب:
١- إذ ليس دليل أعظم من قصور أدلّة كثير السفر عن تناوله، فيبقى حينئذٍ على مقتضى ما دلّ على القصر في كلّ مسافر.
٢- مضافاً إلى ما سمعته منّا و منه من التعليل و غيره.
٣- و إلى تصريح غير واحد من الأصحاب به من غير إشكال و تردّد، بل عن ابن [أبي] جمهور الإجماع عليه في عوالي اللآلي [١٠].
[١] المصدر السابق: ٤٩١، ح ٢.
[٢] الذكرى ٤: ٣١٨.
[٣] المختلف ٣: ١٠٧.
[٤] الروض ٢: ١٠٣٩.
[٥] التهذيب ٣: ٢١٥، ذيل الحديث ٥٢٩. الاستبصار ١: ٢٣٣، ذيل الحديث ٨٣١.
[٦] الوسائل ٨: ٤٩١، ب ١٣ من صلاة المسافر، ح ٣، و فيه: «عمران بن محمّد
الأشعري».
[٧] المدارك ٤: ٤٥٥- ٤٥٦.
[٨] الذكرى ٤: ٣١٧.
[٩] الرياض ٤: ٤٣٣.
[١٠] عوالي اللآلي ٣: ١١٠.