جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٨٢ - دفن الميّت في المسجد
و لا فرق [بناءً على منع الدفن في المساجد] على الظاهر بين سبق المسجديّة على الدفن و بين سبقه عليها، بل لعلّه أولى بالمنع (١).
(١) لخبر سماعة بن مهران: سأله [الصادق (عليه السلام)] عن زيارة القبور و بناء المساجد فيها؟ فقال: «أمّا زيارة القبور فلا بأس، و لا يبنى عندها مساجد» [١]. و إن كان يحتمل إرادة المقابر منه التي هي كالشوارع و المشارع [٢] و الطرق و نحوها من الأراضي التي تعلّق بها الحقوق العامّة المانعة عن اتّخاذها مساجد. و ذلك غير ما نحن فيه، كبعض النصوص الاخر حتى الخبر المشهور: «أنّ الأرض كلّها مسجد إلّا بئر غائط و مقبرة» [٣] المحتمل أيضاً غير ما نحن فيه من المساجد. لكن و مع ذلك كلّه فالأحوط في البراءة عن التكليف بالدفن- إن لم يكن الأقوى- المنع، وفاقاً لمن عرفت، و فيهم من لا يعمل إلّا بالقطعيّات، على أنّك قد عرفت حكايته [المنع] عن النهاية التي هي متون أخبار.
بل قد يظهر من حاشيةٍ على هامش ما حضرني من نسخة الوسائل [٤]- كتب تحتها: أنّها منه- الإجماع عليه، حيث نسبه فيها إلى الفقهاء، بل لعلّه كذلك لو لوحظ عدم التردّد فيه من كثير من المتعرّضين له.
بل قد عرفت أنّ المستند فيه عدم الانفكاك عن النجاسة، خصوصاً بناءً على عدم الفرق بين الملوّثة و غيرها، لا تلك التعليلات. مع أنّه يمكن تسديدها [حرمة الدفن] بالفرق بين الدفن و بين الامور السابقة [كوضع المنارة و حفر حفيرة] التي قيس عليها باعتبار كون الدفن مقتضياً للتعطيل عن الاستعداد للانتفاع بالمسجد لو فرض حدوث حاجة في تغييره مثلًا لحرمة النبش بخلاف الامور السابقة، مع ما فيه [في الدفن] من تنفير المتردّدين و امتناع صلاتهم أو كراهتها التي هي نوع ضرر أيضاً في مثل الأماكن المتّخذة لمضاعفة ثواب العبادة. و دفن فاطمة (عليها السلام) لم يثبت أنّه في المسجد، بل ظاهر خبر البزنطي [٥] عدمه كما سمعت، بل ربّما يشمّ منه- بسبب ذكر اعتذاره فيه عن كونها في المسجد بفعل بني اميّة لعنهم اللّٰه- معلوميّة امتناع الدفن في المسجد. و دفن الأنبياء السابقين لم يثبت تعبّدنا به في شرعنا، بل و لم يثبت كونه سابقاً على المسجديّة المعتبرة، بل لم يثبت صيرورة نفس قبورهم مسجداً.
بل قد يظهر من جملة من النصوص الواردة في أنّ إبراهيم و إسماعيل (عليهما السلام) دفنا حذاء المسجد [٦] امتناع الدفن فيه حتى في ذلك الزمان، و إلّا لم يدفنا حذاءه. على أنّه يمكن اختصاص ذلك بالمعصومين المنزّهين عن سائر الأدناس، و لا كراهة في الصلاة عندهم.
بل لعلّ قوله (عليه السلام): إنّه «ما من مسجد إلّا و بني على قبر نبيّ أو وصيّ نبيّ ... إلى آخره» [٧] شاهدٌ على ذلك و إن كان المراد منه على الظاهر بيان حكمة سماويّة و علّة ربّانيّة، لا أنّه قبر معروف جعل مسجداً، و لعلّ نصوص دفن الأنبياء من هذا القبيل. كما أنّ الظاهر إرادة بعض الأصحاب من كراهة بناء المسجد على القبر اتّخاذ المسجد و هو فيه، لا صيرورة نفس القبر مسجداً إن لم نقل بالفرق بين السبق و اللحوق، مع احتماله قويّاً جدّاً و إن ترك الاستفصال في خبر سماعة. لكن لعلّه لظهوره فيما سمعت من المعتبرة، على أنّه لا يكفي سنداً للمنع لوجوه، منها قوّة مقتضي الجواز من أدلّة ندب اتّخاذ المسجد مع حرمة النبش، فتأمّل جيّداً، و اللّٰه أعلم.
[١] الوسائل ٣: ٢٣٤، ب ٦٥ من الدفن، ح ١.
[٢] في بعض النسخ: «المشاع».
[٣] تقدّم في ص ٣٧٩.
[٤] الوسائل ٥: ٢٦٩، ب ٥٠ من أحكام المساجد، ذيل الحديث ٢.
[٥] تقدّم في ص ٣٨١.
[٦] انظر الوسائل ١٣: ٣٥٥، ب ٣٠ من الطواف، ح ٨.
[٧] الوسائل ٥: ٢٢٥، ب ٢١ من أحكام المساجد، ح ١.