جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٢٦ - الطرف الثاني ما يعتبر في الإمام
و [قد] يقال: إنّ العدالة (١) عبارة عن اجتناب جميع الكبائر- التي منها الاصرار على الصغائر- واقعاً، سواء كان ذلك عن ملكة، أو كان بعضها عنها و الآخر عن مجرّد اتفاق، لكنّ الطريق إلى الحكم بكون الرجل مجتنباً للكبائر حسن الظاهر (٢).
(١) عندهم كما يومئ إليه كلام ابن إدريس [١] و غيره.
(٢) على حسب ما يستفاد من الأخبار، فيكون هي في الواقع ذلك و إن كان الحكم بتحقّقها شرعيّاً.
فمن اطّلع حينئذٍ على وقوع كبيرة من شخص و لو متستّراً ذهبت عدالته، و لا يجوز له أن يصلّي خلفه؛ إذ حسن الظاهر غير مثمر بعد الاطّلاع على انتفائها؛ إذ الفرض أنّها عبارة عن اجتناب الكبائر واقعاً. و لا ينافي ذلك كونه يحرم على المطّلع أن يتكلّم لمكان كونه غيبة.
نعم لو دعي إلى الشهادة في مقام الجرح وجب عليه أن يشهد للإجماع على جوازها في مثل هذا المقام، و تنقدح حينئذٍ أصل العدالة و إن كان صدور المعصية منه على وجه التستر بحيث لا ينافي حسن الظاهر قطعاً.
و من ذلك يظهر حينئذٍ وجه تقديم الجرح على التعديل؛ لكون المعدّل يثبت حسن الظاهر و الجارح لا ينفيه، بل يقول: إنّي اطّلعت منه على ما يذهب العدالة و إن بقي حسن ظاهره.
١٣/ ٣٠٠/ ٤٩٤
فقول الأصحاب العدالة حسن الظاهر لا يخلو من مسامحة؛ إذ حسن الظاهر نفسه ليس بعدالة، بل العدالة غيره، و هو طريق إليها، و ليست هي الملكة كما يقوله المتأخّرون، فتأمّل جيّداً.
و دعوى أنّ الملكة عندهم هي هذه القوة التي انتظم بها حسن الظاهر- إذ حسن الظاهر لا يكون إلّا عن ملكة و قوّة يصدر عنها- واضحة المنع أوّلًا، و الفساد ثانياً؛ ضرورة كثرة وقوع ملكة التدليس.
على أنّ حسن الظاهر قد يكون لا عن ملكة بل مجرّد اتفاق، بل لا معنى لاشتراط الملكة حينئذٍ بالتقرير المتقدّم، بل هو في الحقيقة رجوع للقول بحسن الظاهر، كما هو واضح.
فظهر لك من ذلك كلّه- بحمد اللّٰه- شدّة ضعف القول بأنّها الملكة، بل لعلّه مساوٍ في الضعف للقول الأوّل فيها [القول بأنّ العدالة هي ظاهر الإسلام مع عدم ظهور الفسق].
و قد سمعت أنّ الخراساني اعترف بعدم الشاهد له في فتاوى القدماء من أصحابنا، و أنّه اقتفوا به أثر العامة، و بأنّه لا شاهد له في النصوص أصلًا، و لعلّه كذلك.
و الصحيحة [٢] [أي صحيحة عبد اللّٰه بن أبي يعفور] التي هي أشدّ ما ورد في أمر العدالة قد عرفت أنّه لا دلالة فيها على القول بالملكة بوجه من الوجوه، مع أنّها على اختلاف متنها قد اشتملت على ما لا يقدح في العدالة إجماعاً، كحضور الجماعة.
و من هنا احتمل بعضهم أن يراد بها كون الرجل معروف العدالة بين المسلمين حتى تصير شهادته حجة لكلّ من احتاج منهم، و متلقّاة بالقبول [٣].
[١] السرائر ٢: ١١٧.
[٢] تقدّم في ص ٢٢١.
[٣] المصابيح ١: ٤٤٣- ٤٤٤.