جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٣٤ - تباعد المأموم عن الإمام كثيراً
..........
بل قد يشهد لإرادة الاستحباب من الصحيح المزبور [أي صحيح زرارة]- زيادةً على ذلك- ما في ذيله أو صدره على اختلاف كيفيّة الرواية له «و ينبغي ... إلى آخره»؛ لإشعار لفظ «ينبغي» به، و ظهور إرادة بيان ضدّ التواصل من قوله: «لا يكون»، كظهور إرادة بيان ما يتخطّى من قوله: «تكون» [١] الثانية، على معنى: أنّه إن كان بينهما ما لا يتخطّى فلا تواصل، و إن كان بينهما ما يتخطّى كقدر مسقط جسد الإنسان إذا سجد تحقّق التواصل.
و من المعلوم إرادة الاستحباب من الأخير؛ ضرورة عدم تحقّق شيء من البعد فيه، بل يكون سجوده عند عقب من تقدّمه؛ إذ المراد قدر مسقط جسد الإنسان إذا سجد بين الموقفين، و ليس هو إلّا مقدار سجود الإنسان، و من الواضح اغتفار أزيد من ذلك عند من جعل المدار ما لا يتخطّى؛ إذ لا يتصوّر في الفرض المزبور اغتفار؛ لعدم إمكان تحقّق الجماعة بدونه.
و منه حينئذٍ ينقدح استحباب ما قبله من أنّه لا يكون بينهما ما لا يتخطّى؛ إذ هو من قبيل البيان له، و أنّه هو الذي يتخطّى، و أنّه هو الذي يتحقّق به التواصل المطلوب في الجماعة بلفظ «ينبغي»، كما أنّه من ذلك كلّه ينبغي إرادة الكراهة من قوله: «إن صلّى ... إلى آخره»، و «أيّ صفّ ... إلى آخره»؛ ضرورة شهادة الخبر بعضه على بعض.
بل لو قلنا: إنّ قوله: «ينبغي ... إلى آخره»، رواية اخرى ليست من تتمّة الخبر المزبور- كما عساه يظهر من الحدائق [٢]- أمكن الاستشهاد بها؛ لأنّ كلامهم (عليهم السلام) بمنزلة كلام متكلّم واحد، و إن كان الأوّل أقوى شهادة منه، على أنّه قد يدّعى تعارف نحو «لا صلاة» في نفي الكمال على وجه الحقيقة، لا أقلّ من الشهادة بذلك.
بل قد يقال: إنّ المراد باشتراط أن لا يكون بين الصفّين مثلًا ما لا يتخطّى إنّما هو بين محلّ السجود من الصفّ الأوّل و بين الصفّ الثاني، كما لعلّه يؤيّده إرادة التحديد بالنسبة إلى جميع أحوال الصفّ التي منها السجود لا حال القيام خاصّة، و أنّ المراد بما لا يتخطّى: أي ما لا يمكن تخطيه أبداً بأعلى أفراد مصداق التخطّي، و هو الذي يملأ الفُرَج؛ لكونه نكرة واقعة في سياق النفي، لا التخطّي المتعارف في المشي؛ إذ مسقط جسد الإنسان إذا سجد أزيد منه قطعاً، مع أنّه اكتفي به في بيان ما يتخطّى.
و حينئذٍ يوافق المختار أو يقرب منه؛ لتحقّق التباعد المعتاد في الجماعة به، خصوصاً مع ملاحظة التقريب و المسامحة في التحديد المزبور لا التحقيق و المداقّة، كما يومئ إليه التحديد بذلك من غير بيان المراد به من المتعارف و غيره و لا أفراد المتخطّين، بل لعلّه يكون حينئذٍ شاهداً للمختار لا عليه، بل يمكن تنزيل كلام من سمعت ممّن حدّد بما لا يتخطّى على ذلك، فيرتفع الخلاف حينئذٍ من البين.
و يؤيّده: أنّه لو كان المراد به غير ذلك لاشتهر غاية الاشتهار علماً و عملًا؛ ضرورة استعمال الناس الجماعات من سالف الأزمنة إلى يومنا هذا، مع أنّك قد عرفت ندرة من أفتى به، و معروفية الفتوى بخلافه بل و العمل.
و بذلك كلّه يتّضح لك الوجه في صحيح عبد اللّه بن سنان المتقدّم [٣] بعد تسليم إرادة ما عرفت منه، بل هو أولى بالحمل على الندب.
[١] في الخبر بدلها: «يكون».
[٢] الحدائق ١١: ١٠٦.
[٣] تقدّم في ص ١٣٢.