جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٨ - المواسعة و المضايقة في القضاء
..........
لكن و مع ذلك كلّه فالإنصاف أنّه لا يجترى على نسبته إليهم (عليهم السلام)؛ لما دلّ من الآيات [١] و الأخبار [٢]- كما نقل- على طهارة النبيّ و عترته (صلى الله عليه و آله و سلم) من جميع الأرجاس و الذنوب، و تنزّههم عن القبائح و العيوب، و عصمتهم من العثار و الخطل [٣] في القول و العمل، و بلوغهم إلى أقصى مراتب الكمال، و أفضليّتهم ممّن عداهم في جميع الأحوال و الأعمال، و أنّهم تنام أعينهم و لا تنام قلوبهم، و أنّ حالهم في المنام كحالهم في اليقظة، و أنّ النوم لا يغيّر منهم شيئاً من جهة الإدراك و المعرفة، و أنّهم لا يحتلمون، و لا يصيبهم لمة [٤] الشيطان، و لا يتثاءبون و لا يتمطّون في شيء من الأحيان، و أنّهم يرون من خلفهم كما يرون من بين أيديهم، و لا يكون لهم ظلّ، و لا يرى لهم بول و لا غائط، و أنّ رائحة نجوهم [٥] كرائحة المسك، و امرت الأرض بستره و ابتلاعه، و أنّهم علموا ما كان و ما يكون من أوّل الدهر إلى انقراضه، و أنّهم جعلوا شهداء على الناس في أعمالهم، و أنّ ملائكة الليل و النهار كانوا يشهدون مع النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) صلاة الفجر، و أنّ الملائكة كانوا يأتون الأئمّة (عليهم السلام) عند وقت كلّ صلاة، و أنّهم ما من يوم و لا ساعة و لا وقت صلاة إلّا و هم ينبّهونهم لها ليصلّوا معهم، و أنّهم كانوا مؤيّدين بروح القدس يخبرهم و يسدّدهم، و لا يصيبهم [روح القدس التي فيهم] الحدثان [٦]، و لا يلهو و لا ينام و لا يغفل، و به علموا ما دون العرش إلى ما تحت الثرى، و رأوا ما في شرق الأرض و غربها، إلى غير ذلك ممّا لا يعلمه إلّا اللّٰه، كما ورد [٧] أنّهم لا يعرفهم إلّا اللّٰه و لا يعرف اللّٰه حقّ المعرفة إلّا هم، و ليسوا هم أقلّ من الديكة التي تصرخ في أوقات الصلوات و في أواخر الليل لسماعها صوت تسبيح ديك السماء الذي هو من الملائكة، و عرفه تحت العرش، و رجلاه في تخوم [٨] الأرض السابعة، و جناحاه يجاوزان المشرق و المغرب، و آخر تسبيحه في الليل بعد طلوع الفجر: «ربّنا الرحمن لا إله غيره ليقم الغافلون [٩]، تعالوا عن ذلك علوّاً كبيراً.
نعم لو أمكن دعوى ثبوت تكاليف خاصّة لهم تقوم مقام هذه التكاليف اتّجه دعوى جواز نومهم عنها [عن الصلاة]، و ربّما يومئ إليه قول النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم): «أصابكم فيه الغفلة»، و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «نمتم بوادي الشيطان» [١٠]، و اللّٰه أعلم بحقيقة الحال.
ص- و منها: ما يظهر لمن سرد أخبار [١١] الحيض و الاستحاضة و الاستظهار، من عدم المضايقة في أمر القضاء، و عدم اشتراط صحّة الحاضرة بفعله و لو بسبب تركها التعرّض له مع ظهور الفوات، بل في مرسل يونس [١٢]- المتقدّم في باب الحيض، المتضمّن لعدم اشتراط الموالاة في ثلاثة الحيض- تصريح بتأخير القضاء. إلّا أنّ صحّة الاستدلال موقوفة على العمل، أو يجعل حجّة
[١] الأحزاب: ٣٣.
[٢] الكافي ١: ١٩٠، ١٩٨، ٢٦٠ و ٣٨٨، ح ٨.
[٣] الخطل- التحريك-: المنطق الفاسد المضطرب، يقال: خطل في منطقة- من باب تعب- أخطأ. مجمع البحرين ٥: ٣٦٤.
[٤] اللّمة: من الإلمام، و هي كالحضرة و الزورة و الأنية، و معناه: النزول به و القرب منه، و قيل: اللمة: الهمة تقع في القلب، فما كان من خطرات الخير فهو من الملك، و ما كان من خطرات الشرّ فهو من الشيطان. مجمع البحرين ٦: ١٦٥.
[٥] أي الغائط. مجمع البحرين ١: ٤٠٨.
[٦] الحَدَثان: أصلها الموت، و المراد هنا ما يحدث لها من النوم و الغفلة و اللهو و الزهو و نحو ذلك. مجمع البحرين ٢: ٢٤٧.
[٧] البحار ٣٩: ٨٤.
[٨] التخم: منتهى كلّ قرية أو أرض. الصحاح ٥: ١٨٧٧.
[٩] دعائم الإسلام ١: ٢١٠.
[١٠] تقدّم في ص ٥٦.
[١١] انظر الوسائل ٢: ٣٠٠، ٣٦١، ب ١٣، ٤٩ من الحيض، و ٣٧١، ب ١ من الاستحاضة.
[١٢] راجع الوسائل ٢: ٢٩٩، ب ١٢ من الحيض، ح ٢.