جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٣٢ - الطرف الثاني ما يعتبر في الإمام
..........
بعض المعاصي، و العدالة محتاج إليها الناس في أكثر امورهم من عبادات و معاملات.
و فتح باب التوبة- المقدور عليها في كلّ وقت و حين- غير مُجدٍ بعد الاحتياج إلى الاختبار؛ إذ التحقيق أنّه لا تقبل بمجرّد قوله: تبت من دون معرفة الندم الباطني منه، بل ربّما قيل بتعذّر العزم على عدم المعاودة- المتوقفة عليه التوبة- أو تعسّره، و إن كان فيه منع واضح؛ ضرورة نهي اللّٰه عن جميع المعاصي، بل قد يقال: إنّا نمنع قلّة وجود العدل بالمعنى المذكور، فإنّ الظنّ الغالب من جهة مراعاة أحوال الناس في أنّه لا يسلم أحد منهم من وقوع الصغيرة ظنّ إجمالي، و إلّا فليس في غالب أحوالنا في جميع الأوقات نعلم أنّ الشخص الذي ظاهره الستر و العفاف و اجتناب الكبائر وقعت منه صغيرة لا نعلم منه أنّه تاب عنها أو لا، كلّا إنّ ذلك ممنوع، بل قد يحصل الظنّ بعدمه في كثير من الناس.
على أنّه يمكن أن يقال: كون الذنوب كلّها كبائر لا يقضي بأنّها كلّها قادحة في العدالة؛ إذ لا دليل على ذلك، بل القادح فيها الأكبر من المعاصي.
و أمّا غير الأكبر فلا يقدح إلّا مع الاصرار؛ لأنّ العدالة المستفادة من الأخبار هي كون الرجل معروفاً بالستر و العفاف، مجتنباً للمعاصي العظيمة، حسن الظاهر، إذا سئل عنه في محلّته قيل: لا نعلم منه إلّا خيراً، و هذا لا يقدح فيه وقوع بعض الذنوب التي ليست بتلك المكانة إلّا مع الاصرار عليها.
و يرشد إلى هذا أنّ أهل القول الأوّل ما دعاهم إلى كون العدالة اجتناب الكبائر مع عدم الاصرار على الصغائر أنّه عندهم المعاصي تنقسم إلى قسمين؛ إذ من الواضح أنّ هذا لا يلزم منه ذلك و لا وقوعها مكفّرة، فإنّه لا تلازم بين كونها مكفّرة و عدم قدحها في العدالة، فإنّه قد يكون استحقاق العقاب قادحاً في العدالة، بل الذي دعاهم إلى ذلك هو ظواهر الأخبار الدالّة على أنّ العدالة لا يقدح فيها مثل ذلك و هو بعينه الداعي لُاولئك إن كانت المعاصي عندهم كلّها كبائر.
نعم كلام ابن إدريس ينافي ذلك؛ لظهوره في أنّ فاعل الصغيرة لا يحكم بعدالته حتى يتوب، لكنّه ليس هو حجة على غيره، مع احتمال أنّه ذكره في الردّ على الشيخ لبيان أنّ التوبة علاج له.
و ما في رواية ابن أبي يعفور «و يعرف باجتناب الكبائر» [١] لا ينافي ذلك؛ لأنّ المراد بالكبائر هنا قطعاً غير ذلك المعنى؛ لوصفه الكبائر فيها بالتي أوعد اللّٰه عليها النار من شرب الخمر و الزنا و الربا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف، و غير ذلك من المعاصي، و هو الأكبر.
و ليس قولنا: إنّ المعاصي كلّها كبائر يوجب حمل هذا اللفظ على ذلك [عدم وجود غيرها] و لو مع القرينة الصارفة، كما أنّ جعل الوصف [أي الكبيرة] موضّحاً ليس بأولى من جعله مخصّصاً.
و عود النزاع لفظيّاً على هذا التقدير نلتزمه إن كانت ثمرته منحصرة في ذلك، مع أنّ الظاهر عدم الانحصار.
بل قد يقال: إنّ أهل هذا القول لا ينافيهم القول بالتكفير؛ لأنّ المراد بكون الكلّ كبائر عندهم من جهة القبح و استحقاق العقاب، خلافاً للمعتزلة، فإنّه يظهر من المنقول عنهم أنّه لا يحسن المؤاخذة على الصغائر مع اجتناب الكبائر [٢].
[١] تقدّم في ص ٢٢١.
[٢] الذخيرة: ٣٠٤.