جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٧٤ - المسافة الملفّقة
..........
سمعته من النصوص السابقة المعتضدة بغيرها ممّا هو ظاهر أو صريح و إن قلّ المفتي به، حتى أنّه لشذوذه ربّما لم يُحك عند نقل الخلاف، كما أنّه لم يلتفت إليه عند ذكر الاحتياط، بل ربّما ادّعى الإجماع- غير معتدّ به- على ما ستعرف و إن كان ذلك ليس على ما ينبغي. نعم المشهور بين الأصحاب نقلًا [١] و تحصيلًا، بل عن الأمالي أنّه من دين الإماميّة التخيير بين القصر و الإتمام إذا لم يرد الرجوع ليومه [٢]، غير أنّ الشيخ و ابن حمزة منهم نصّا على وجوب الصوم و عدم جواز الإفطار ٣. خلافاً للمرتضى و الحلّي فأوجبا التمام [٤] و اختاره الفاضلان في بعض كتبهما [٥]، و لم يتعرّضا في الآخر منها كغيرهما من متأخّري الأصحاب إلّا إلى أنّ المسافة الموجبة للتقصير ثمانية أو أربعة مع قصد الرجوع ليومه، من غير نصّ على التخيير أو وجوب التمام. و في الأوّل منهما- بعد الإغضاء عن شبهة التخيير فيه بين الأقل و الأكثر-: أنّه لا شاهد له من النصوص المعتبرة؛ إذ هي بين مطلق للتقصير في الأربعة، و بين ملاحِظ فيه الذهاب و الإياب من غير تصريح باليوم أو غيره، و بين ما هو صريح في عدم الرجوع ليومه مع التصريح فيه بالقصر و النهي عن الإتمام و الويل و الويح عليه، بل هو مستلزم لطرح بعضها أو ارتكاب التعسّف فيه بصرف النهي في أخبار عرفة إلى التمام بقصد الوجوب كما عليه الناس يومئذٍ، و كذا الويل و الويح. فحملُ بعضها حينئذٍ على إرادة الرجوع ليومه فيجب التقصير، و الآخر على إرادة الرجوع لغير اليوم فيتخيّر في الصلاة دون الصوم- مع تلازمهما في ذلك كما هو ظاهر كلّ من لم يصرّح بالانفكاك، و هو الأكثر كما اعترف به في الرياض [٦] و مال إليه- و طرح الثالث و التعسّف في تأويله بما عرفت من غير شاهد، كما ترى. و الرضوي- بعد عدم حجّيته عندنا- لا يصلح لذلك و إن وافق الشهرة. كما أنّها هي بنفسها كذلك عندنا، خصوصاً في المقام المحتمل- إن لم يكن المظنون- خفاء بعض الأدلّة و دلالة آخر كما لا يخفى على المتصفّح لكلماتهم. و إشعار الإضافة في خبر ابن مسلم- بعد تسليمه- ضعيف جدّاً، لا يصلح للحكم على تلك الأخبار قطعاً. و النسبة إلى دين الإماميّة لم يثبت إرادة الإجماع منها؛ إذ من المحتمل- إن لم يكن الظاهر- إرادة ثبوته من دينهم و إن كان بطريقٍ ظنّي، و لو سلّم فهي معارضة بنسبة ابن أبي عقيل وجوب التقصير إلى آل الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) التي هي أصرح في دعوى الإجماع. و ما عن التحرير [٧] من دعوى الإجماع على جواز التمام و حصول البراءة بلا خلاف، منزّل على إرادة الإجماع من المخيّرين و الملزمين بالتمام. كاستدلاله في المختلف على التمام بأنّه أحوط الذي ربّما يوهم الاتّفاق عليه باعتبار توقّف الاحتياط عليه؛ ضرورة إرادته- بقرينة ذكره ذلك في ترجيح الإتمام على التخيير- الاحتياط بالنسبة إلى هذين القولين. و لعلّ من ذلك أو نحوه، ما يحكى عن بعض رسائل الشهيد الثاني؛ حيث قال في جملة كلام له: «و لو كان عدم العود على الطريق الأوّل موجباً لاتّحاد حكم الطريق لزم منه كون قاصد نصف مسافة مع نيّة العود إلى غير الطريق الأوّل يخرج مقصّراً مع عدم العود ليومه، و هو باطل إجماعاً». و من ذلك كلّه يعرف ما في [القول] الثاني منهما أيضاً؛ إذ هو و إن كان يؤيّده الأصل لكنّه إمّا مستلزم لحمل جميع تلك الأخبار على إرادة الرجوع لليوم، و فيها ما لا يقبله في نفسه فضلًا عن احتياجه إلى الشاهد، و إمّا الطرح للنصوص المعمول بها بين الأصحاب و لو على التخيير، و كلاهما كما ترى.
[١] الرياض ٤: ٤٧٧.
[٢] ٢، ٣ أمالي الصدوق: ٥١٠، ٥١٤. النهاية: ١٦١. الوسيلة: ١٠٨.
[٤] نقله عن المرتضى في المعتبر ٢: ٤٦٨. السرائر ١: ٣٢٩.
[٥] المعتبر ٢: ٤٦٨. المختلف ٣: ١٠٢.
[٦] الرياض ٤: ٤٥٠.
[٧] لم نعثر عليه في التحرير بل في السرائر ١: ٣٣٠.