جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٠٧ - حكم العدول عن المعصية في أثناء السفر
..........
٤- و مرسل ابن أبي عمير عنه (عليه السلام) أيضاً قلت له: الرجل يخرج إلى الصيد مسيرة يوم أو يومين أو ثلاثة يقصّر أو يتمّ؟ فقال:
إن خرج لقوته و قوت عياله فليفطر و ليقصّر، و إن خرج لطلب الفضول فلا و لا كرامة» [١].
٥- و خبر حمّاد عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في قول اللّٰه تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لٰا عٰادٍ) [٢] قال: «الباغي باغي الصيد، و العادي السارق، و ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرّا إليها، هي حرام عليهما، ليس هي عليهما كما هي على المسلمين، و ليس لهما أن يقصّرا في الصلاة» [٣]، إلى غير ذلك ممّا يدلّ عليه من النصوص [٤] المعتضدة بالفتاوى التي لا أجد خلافاً فيها في ذلك.
إلّا أنّه لم يستوضحه المقدّس البغدادي بعد أن حكاه عن الفاضلين و الشهيدين [٥] و غيرهم. بل قال: «و ما شككنا فلا نشكّ في جواز الصيد للتنزّه، و لا يترخّص، بخلاف التنزّه في الغياض [٦] و الرياض و الأودية العطرة و الأندية و الخضرة أ ترى أنّ التنزّه هاهنا محظور؟! نعم اللعب منه ذاك [٧] هو اللعب المحظور، لا التنزّه بالتفرّج في الجنان و الخضر و البساتين، بل في الصحاح و القاموس و شمس العلوم و غيرها: أنّ اللهو هو اللعب، و في المصباح المنير عن الطرطونس [٨]: أنّ أصل اللهو الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة، و معلوم أنّ التنزّه بالمناظر البهجة و المراكب الحسنة و مجامع الانس و نحو ذلك ممّا تقتضيه الحكمة، فلم يبق خارجاً منه عن مقتضى الحكمة إلّا اللعب، و نحن نمنع صدق اسم اللعب على مثل هذا التصيّد، و الحكمة هي الصفة التي تكون بها الأفعال على ما ينبغي أن تكون عليه، و هي المراد هنا، و إن كانت تطلق على غير ذلك أيضاً».
إلى أن قال: «و إذا كان اللهو في اللغة هو اللعب كما عرفت فنحن نمنع صدق اسم اللعب على التصيّد، و نقول: إنّ إطلاق اسم اللهو عليه- كما وقع في الأخبار و كلام الأصحاب- إنّما جاء على ضرب من التسامح، سلّمنا أنّه لهو، و لكنّ المحرّم من اللهو إنّما هو اللعب، و ليس هذا بلعب. نعم يطلق اللهو على التلهّي بامرأة أو ولد أو نحو ذلك، قال الأزهري في التهذيب: اللعب اللهو ما يشغلك من هوى و طرب، يريد من عشق و خفّة من فرح أو حزن، فإنّ ذلك ممّا يشغل، قال اللّٰه تعالى: (لَوْ أَرَدْنٰا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْنٰاهُ مِنْ لَدُنّٰا إِنْ كُنّٰا فٰاعِلِينَ) [٩]. و الظاهر أنّ هذا هو المراد باللهو هنا، فإنّ التصيّد بالبزاة و الكلاب ضرب من الهوى و العشق، و الطرب الذي يحصل به و الخفّة التي تعتريه و الابتهاج و الفرح ممّا لا يكاد يخفى».
قلت- و هو على طوله-: كأنّه اجتهاد في مقابلة النصّ حكماً و موضوعاً، و استبعاد لغير البعيد، و لا تلازم بين حرمة ما نحن فيه و بين حرمة سائر أفراد التنزّه بالخضر و البساتين و الأودية و نحوها؛ كي يجب الحكم بعدم الحرمة هنا- المستفادة من النصوص و الفتاوى- لعدم الحرمة هناك للأصل و السيرة القطعيّة و غيرهما.
[١] الوسائل ٨: ٤٨٠، ب ٩ من صلاة المسافر، ح ٥، و المرسل هو «عمران بن محمّد القمّي».
[٢] البقرة: ١٧٣.
[٣] الوسائل ٨: ٤٧٦، ب ٨ من صلاة المسافر، ح ٢.
[٤] انظر المستدرك ٦: ٥٣٢، ب ٧ من صلاة المسافر.
[٥] المختصر النافع: ٧٥. التذكرة ٤: ٣٩٥. الدروس ١: ٢١٠. الروض ٢: ١٠٣٥.
[٦] الغياض: جمع غَيضَة، و هي الأجمة، و هي مغيض ماء يجتمع فينبت فيه الشجر. الصحاح ٣: ١٠٩٧.
[٧] في باقي النسخ: «من ذلك».
[٨] في المصدر: «الطرطوشي».
[٩] الأنبياء: ١٧.