جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٢٣ - الطرف الثاني ما يعتبر في الإمام
و قيل: العدالة عبارة عن ملكة نفسانية تبعث على ملازمة التقوى و المروّة (١).
(١) و المراد بملازمة التقوى اجتناب الكبائر، و عدم الإصرار على الصغائر، بل هو من جملة الكبائر، و بالمروّة أن لا يفعل ما تنفر النفوس عنه عادة، و يختلف ذلك باختلاف الأشخاص و الأزمنة و الأمكنة، و عن مصابيح الظلام أنّه المشهور بين الأصحاب [١].
بل عن الشيخ نجيب الدين العاملي نسبته إلى العلماء [٢]، و لعلّ المراد المتأخّرون، و إلّا فقد عرفت أنّ المتقدمين لم يأخذ أحد منهم ذلك في تعريفهم، بل في الكفاية و عن الذخيرة: لم أعثر على هذا التعريف لغير العلّامة [٣]، و ليس في الأخبار له أثر و لا شاهد عليه فيما أعلم، و كأنّهم اقتفوا في ذلك أثر العامّة، و عن مجمع البرهان نحوه [٤]، مع أنّه نسبه في مجمع البرهان إلى أنّه مشهور بين عامّة العامّة و الخاصّة، فيكون قرينة على إرادة المتأخّرين.
و حجّتهم على ذلك كما قيل: إنّ العدالة لغة الاستقامة و عدم الميل إلى جانب أصلًا، فإنّ الفسق ميل عن الحقّ و الطريق المستقيم، و موضوعات الألفاظ يرجع فيها إلى اللغة و العرف، فلا بدّ أن يكون في الواقع استقامة؛ لأنّ الألفاظ أسامٍ للمعاني الواقعية لا ما ثبت شرعاً أو ظهر عرفاً؛ إذ ذلك خارج عن معنى اللفظ جزماً، فحيث صارت العدالة شرطاً فلا بدّ من ثبوتها و العلم بها؛ لأنّ الشكّ في الشرط يقتضي الشكّ في المشروط، فمقتضى ذلك العلم بعدم الميل بحسب نفس الأمر، و لا يحصل ذلك إلّا بالمعاشرة الباطنية بحيث يحصل من ملاحظة حاله الوثوق و الاطمئنان بأنّه لا يميل، و هو معنى الملكة و الهيئة الراسخة. و كذلك الحال في لفظ الفاسق، و هو أمر معروف مشاهد في كثير من الناس بالنسبة إلى بعض المعاصي كالزنا بالامّ و اللواط بالولد و نحو ذلك، و إن كانت مراتبهم في ذلك و نحوه متفاوتة، فمنهم من له ملكة في البعض، و منهم من له ملكة في الجميع [٥].
فلا يمكن حينئذٍ للإنسان أنّ يعلم عدالة شخص حتى يعلم أنّه له ملكة يعسر عليه مخالفة مقتضاها بالنسبة إلى جميع المعاصي، و لا يكون ذلك إلّا بالاختبار الباطني و تتبّع الآثار حتى تطمئن نفسه بحصولها في الجميع، كما في الحكم بسائر الملكات من الكرم و الشجاعة و نحوهما.
و ربّما ادّعى بعضهم أنّه يمكن ردّ كلام أكثر المتقدّمين إلى ذلك، كما أنّه حمل الأخبار على إرادة تتبّع الآثار المطلعة على الملكة، سيّما صحيحة ابن أبي يعفور، فإنّ هذه الأشياء المذكورة فيها غالباً توصل إلى اطمئنان النفس بالملكة [٦].
لكنّه كما ترى في غاية الضعف، بل عليه لا يمكن الحكم بعدالة شخص أبداً إلّا في مثل المقدّس الأردبيلي و السيّد هاشم على ما ينقل من أحوالهما، بل و لا فيهما، فإنّه أيّ نفس تطمئنّ بأنّهما كان يعسر عليهما كلّ معصية ظاهرة و باطنة؟! كلّا إنّ ذلك لبهتان و افتراء، بل الإنسان من نفسه لا يعرف كثيراً من ذلك.
و من العجيب تنزيل صحيحة ابن أبي يعفور على الاطمئنان في حصول الملكة في جميع المعاصي بواسطة اجتناب المذكور
[١] المصابيح ١: ٤٢٨.
[٢] نقله في مفتاح الكرامة ٣: ٨٠.
[٣] كفاية الأحكام ١: ١٤٤. الذخيرة: ٣٠٥.
[٤] مجمع الفائدة و البرهان ٢: ٣٥١.
[٥] المصابيح ١: ٤٣٩- ٤٤١.
[٦] المصابيح ١: ٤٤٣.