جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٢٥ - الطرف الثاني ما يعتبر في الإمام
..........
و أيضاً قد اشتهر بينهم تقديم الجرح على التعديل لعدم حصول التعارض؛ لكون المعدّل لا يعلم و الجارح عالم، و من لا يعلم ليس حجّة على من علم، و لو كان من باب الملكة لكان من باب التعارض؛ لأنّ المعدّل يخبر عن الملكة و الآخر يخبر عن عدمها، بل عن ملكة الفسق.
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ أهل الملكة ينفون الحكم بمقتضاها بمجرّد وقوع الكبيرة مثلًا و إن لم تذهب الملكة، فلا يكون تعارضاً بينهما؛ إذ قد يكون الجارح اطّلع على فعل كبيرة، و لا ينافي ذلك إخبار العدل بحصول الملكة. نعم، لو كان الجرح بما يرفع الملكة اتّجه التعارض، فتأمّل جيّداً. و مع ذلك كلّه فلم يتّضح لنا ما أرادوا بحجّتهم السابقة:
أمّا أوّلًا: فلأنّا قد بيّنا أنّ العدالة لها حقيقة شرعيّة.
و ثانياً: لو قلنا ببقائها على المعنى اللغوي فالظاهر بل المقطوع به عدم إرادته هنا؛ لكون الاستقامة و الاستواء حقيقة في الحسّي، فلا بدّ أن يراد بهما هنا معنى مجازي، و كونه عدم الميل الذي يلزمه الملكة ليس بأولى من عدم انحراف الظاهر و اعوجاجه.
و المناقشة في جميع ما ذكرنا أو أكثره بأنّها و إن كانت هي الملكة لكنّ الطريق إليها حسن الظاهر، يدفعها: وضوح منعها:
١- إن اريد حصول الاطمئنان من الطريق المزبور بحصولها؛ لما عرفت من أنّ حسن الظاهر باستقراء بعض أحوال الشخص لا يفيد الاطمئنان بحصول الملكة في الجميع بل البعض.
٢- و رجوع النزاع لفظياً إن اريد كونه طريقاً تعبّدياً، و لا فائدة حينئذٍ في ذكرها و اشتراطها، بل فيه إيهام خلاف المراد.
كالمناقشة فيه أيضاً بأنّ قضيّة كونها حسن الظاهر عدم انقداحها بوقوع الكبيرة تستّراً، و لعلّه الظاهر من بعضهم حيث قال:
«إنّ العادل هو الذي يستر عيوبه حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه، لا أنّه الذي يكون لا عيب له و لا عثرة. نعم لا بدّ أن لا يظهر منه ذلك، فحينئذٍ إذا صدر منه باطناً يجب إخفاؤه بحيث لو أظهره مظهر يصير فاسقاً؛ لحرمة الغيبة، و إشاعة الفاحشة و وجوب ستر العورة، مضافاً إلى حرمة التجسّس، قال اللّٰه تعالى: (وَ لٰا تَجَسَّسُوا وَ لٰا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) [١]، و قال: (الَّذِينَ يُحِبُّونَ) ٢ إلى آخره. و الأخبار [٣] الدالّة على التحريم و شدّة الحرمة و العقوبات الشديدة متواترة، مضافاً إلى إجماع المسلمين بل بداهة الدين» [٤]. فحينئذٍ إذا صدر من أحد ذلك وجب الحكم بتفسيقه. و هو ظاهر في أنّ حسن الظاهر لا يقدح فيه وقوع الكبيرة باطناً متستّراً بحيث يحرم على أحد أن يخبر عنه بذلك، فينبغي أن يكون عدلًا عند هذا المطّلع فضلًا عن غيره؛ لعدم انقداح حسن الظاهر، بل قضيته عدم ثبوت الجرح أبداً، و إلّا ينفي حسن الظاهر، و حينئذٍ يكون من باب التعارض بينه و بين المعدّل، فلا معنى لتقديم قوله على قول المعدّل. و أيضاً لو كان ذلك قدحاً في حسن الظاهر لم يكن لإعادة ذلك بصدور التوبة منه معنى. إذ يدفعها أيضاً: ظهور إرادة القائلين بأنّ العدالة حسن الظاهر اشتراط ذلك بعدم وقوع الكبيرة منه مع ذلك و إن أطلقوا، فيكون العدالة منهم [٥] حسن الظاهر مع عدم وقوع الكبيرة معه و لو باطناً.
[١] ١، ٢ الحجرات: ١٢. النور: ١٩.
[٣] انظر الوسائل ١٢: ٢٧٤، ٢٧٨، ب ١٥٠، ١٥٢ من أحكام العشرة.
[٤] المصابيح ١: ٤٤١- ٤٤٢.
[٥] كذا في الجواهر، و في النسخ: «عندهم».