جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٤٩ - حكم المتردّد إلى شهر
[و المراد من الشهر هنا تعيّن الثلاثين مطلقاً، سواء اتّفق وقوع التردّد في أوّل الشهر أو لا، و هو الأحوط إن لم يكن الأقوى].
و قد يناقش فيه: بأنّه بناءً على اشتراك لفظ الشهر بينهما اشتراكاً معنويّاً لم تصلح الحسنة المزبورة لتقييده؛ ضرورة اقتضاء تعليق الحكم على الشهر الاجتزاء بكلٍّ من فرديه، لا على التخيير، بل على الاكتفاء بأيّهما تحقّق، و هما [الشهر و الثلاثين] يمكن اجتماعهما و انفراد كلٍّ منهما عن الآخر.
و لا ينافيه الأمر بعدّ الثلاثين في الحسنة بعد تسليم الخصم كون الغالب غير الصورة المذكورة المقتضي لخروج الأمر حينئذٍ مخرج الغالب، فلا ينافي ذلك الإطلاق كي يجب حمله عليه و إبطال دلالته على ما عداه.
مع أنّ من شرط حمل المطلق على المقيّد تحقّق التعارض الموجب لذلك.
و دعوى أنّه و إن لم نقل بتحكيم الحسنة المذكورة إلّا أنّه يجب صرف إطلاق الشهر إلى الثلاثين لهذه الغلبة أيضاً كما صرف إطلاق الأمر بالعدّ في الحسنة إلى ذلك، و إلّا لو ابقي على إطلاقه- الشامل لما لو كان التردّد من أوّل الشهر- لم يكن إشكال في التقييد، يدفعها: وضوح الفرق بين المقامين؛ ضرورة كفاية غلبة الوقوع في صرف الثاني [و هو إطلاق الأمر بالعدّ]؛ لأنّ مرجعه إلى وجود حكمة لتخصيص الأمر بأحد الفردين، و هي تكفي فيه، خصوصاً مع اعتضادها بحكمة اخرى، و هي نفي احتمال التلفيق هلاليّاً لو كان التردّد في غير الأوّل. بخلاف المطلق الأوّل الذي لا يجوز العدول عن مقتضى إطلاقه إلّا في الأفراد النادر إطلاقه عليها لا النادر وجودها، خصوصاً إذا كان النادر اتّفاق الفعل فيها لا هي، كما إذا كان المطلق من أسماء الأزمنة نحو ما نحن فيه. على أنّ هذه الندرة إنّما هي بملاحظة كثرة مصاديق الآخر المقابل لها، و إلّا فأوّل الشهر كثانيه و ثالثه و رابعه بالنسبة إلى اتّفاق التردّد فيه.
نعم لمّا جعل الأوّل خاصّة مقابلًا لسائر تلك الأيّام كان اتّفاق وقوع التردّد فيه نادراً بالنسبة إليها جميعها.
و كذا يناقش لو كان الشهر حقيقة فيما بين الهلالين؛ إذ دعوى صرفه عن حقيقته بالحسنة المزبورة، ممنوعة. بل أقصاه استفادة كفاية الثلاثين منها، و هو لا ينافي كفاية المعنى الحقيقي أيضاً.
فمن ذلك كلّه يظهر لك أنّ ما عن مجمع البرهان- من الاكتفاء بما بين الهلالين و إن كان ناقصاً [١] لو اتّفق وقوع التردّد في أوّل الشهر و تعيّن الثلاثين لو كان التردّد في غيره- لا يخلو من قوّة.
بل ربّما يؤيّده في الجملة عند التأمّل زيادةً على ذلك ما في صحيح ابن وهب السابق [٢].
و إن كان الأحوط إن لم يكن الأقوى خلافه و هو تعيّن الثلاثين مطلقاً؛ لأصالة القصر، و إطلاق أدلّته.
و لفظ الشهر و إن كان حقيقة في القدر المشترك بينهما، إلّا أنّه يجب صرف إطلاق الأمر بالتقصير فيما بينه و بينه إلى الغالب من وقوع التردّد في غير الأوّل.
و لو نوقش في اقتضاء الغلبة المزبورة ذلك لكان مثله متوجّها أيضاً في صرف إطلاق الأمر في الحسنة إلى ذلك، فإن لم يصرفا كان إطلاقها محكّماً على إطلاق الشهر، و إن صرفا معاً بقي ما بين الهلالين مع فرض نقصانه على أصالة القصر، فتأمّل جيّداً.
[١] مجمع الفائدة و البرهان ٣: ٤٠٦.
[٢] تقدّم في ص ٥٤٧.