جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٧٣ - المسافة الملفّقة
..........
قيل: و لهذا اقتصر صاحب الكافي على أخبار الأربعة و لم يتعرّض أصلًا لشيء من أخبار الثمانية [١]، لا أنّ مراده كفاية الأربع في التقصير مطلقاً حتى إذا لم يرد الرجوع أصلًا لا ليومه و لا لغير يومه، فإنّ الظاهر الاتّفاق على وجوب التمام في مثل الفرض كما اعترف به المقدّس البغدادي، و صرّح به ابن حمزة في وسيلته [٢]؛ لظاهر النصوص، خصوصاً ما اشتمل منها على أنّ أدنى المسافة بريد ذاهب و بريد جائي. و إطلاق القصر في الأربعة منزّل على الغالب من إرادة الرجوع كما يومئ إليه الموثّق السابق الذي قد تضمّن أنّ المسافة بريد، فتعجّب الراوي من ذلك، فرفع (عليه السلام) عجبه بأنّه إذا رجع شُغل يومه؛ إذ هو ظاهر في أنّ الأربعة حيث تطلق يراد بها ما يتعقّبه الرجوع. و كذا إطلاق الأكثر التخيير إذا لم يرد الرجوع ليومه يراد منه- بقرينة قاعدة توجّه النفي إلى القيد الزائد- خصوص عدم إرادة الرجوع لليوم مع إرادة أصل الرجوع. بل في الرياض: أنّ الرضوي الذي هو مستندهم في التخيير على الظاهر صريح في ذلك [٣]. فما عن الحدائق من إدراج الفرض في عبارة القائلين بالتخيير- بدعوى رجوع النفي إلى المقيّد مع قيده و بدونه [٤]- ضعيف جدّاً، و إن كان ربّما يوهمه عبارات بعض من مال إلى التخيير مطلقاً. لكنّ التحقيق بعد التأمّل ما ذكرنا، و عليه يحمل ما سمعته من الكافي فيكون هو من القائلين بوجوب القصر بقصد الأربعة و إرادة الرجوع و إن لم يكن ليومه.
نعم ينبغي تقييده- كتقييد إطلاق القائلين بالتخيير أيضاً- بما إذا لم ينقطع سفره بأحد القواطع:
١- للإجماع المحكي [٥] إن لم يكن محصّلًا على وجوب التمام في رجوعه أيضاً.
٢- و لصيروتهما منفردين حينئذٍ.
٣- و لظهور الموثّق المزبور [أي خبر محمّد بن مسلم] في ذلك أيضاً؛ حيث إنّه تعجّب فيه من جعل المسافة بريداً، و رفع (عليه السلام) عجبه بإرجاعه إلى الثمانية المعلوم كونها مسافة التقصير، و لا ريب في أنّها تنقطع بحصول أحد القواطع في أثنائها.
و كذا غيره من النصوص التي اعتبرت الإياب في التقصير، بل في الرياض: أنّ الرضوي صريح في ذلك [٦]، و به يقيّد إطلاق بعض النصوص لو لم نقل بانصرافه إلى الغالب من الرجوع قبل القاطع، خصوصاً في مثل الأسفار إلى نحو الضياع و القرى و نحوها. كما أنّه يجب إرادة ابن أبي عقيل بما ذكره من دون العشرة سائر القواطع؛ لعدم خصوصيّة لها من بينها على ما سمعت سابقاً.
نعم لو فرض عدم انقطاع سفره- كما لو فرض بقاؤه متنفّلًا في قرى قريبة لمقصده- قصّر و إن بقي سنة فصاعداً، و أولى منه البقاء في المقصد متردّداً إلى ما دون الثلاثين يوماً.
و دعوى استبعاد التزامه بمثل ذلك لا شاهد لها، بل لعلّ الشاهد من ظاهر بعض النصوص السابقة بخلافها قائمٌ. و لا ريب في
قوّة هذا القول و متانته، كما اعترف به المولى في الرياض بعد أن حكى عن جملة من فضلاء متأخّري المتأخّرين الميل إليه ٧؛ لما
[١] المصابيح ٢: ٢٢٠.
[٢] الوسيلة: ١٠٨.
[٣] الرياض ٤: ٤٤٩.
[٤] الحدائق ١١: ٣١٣.
[٥] مصابيح الأحكام: الورقة ٨٦.
[٦] ٦، ٧ الرياض ٤: ٤٥٢، ٤٧٧.