جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢١٦ - الطرف الثاني ما يعتبر في الإمام
..........
بدونه لا يكاد تنتظم الأحكام للحكّام، خصوصاً في المدن الكبيرة و القاضي القادم إليها من بعد مع عدم خلطته و اختباره لهم؛ ضرورة اقتضاء اعتبار غيره تعطيل كثير من الأحكام حتى يختبرهم أو يكون عنده من هو مختبرهم و مخالطهم، و لا ريب في كونه حرجاً و عسراً و تعطيلًا، و كيف؟! و الناس في كثير من الأمكنة لا يتمكّنون من ذلك في طلاقهم و ديونهم و غير ذلك ممّا يحتاجون إليه.
بل قد يرشد إليه أيضاً:
١- الحثّ على الجماعة المشعر بأنّها متيسّرة في كلّ وقت سفراً و حضراً.
٢- و ظاهر قوله تعالى: (وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ) [١]، حيث لم يقيّده بشيء.
و لا ينافيه قوله تعالى في الاخرى: (وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) [٢]؛ إذ لا كلام في كون الشاهد لا بدّ أن يكون ذا عدل.
لكنّ الكلام في أنّ ذلك يحكم به حتى يظهر خلافه أو لا، و لا تعرّض في الآية له، فيبقى إطلاق الاولى سالماً؛ إذ لعلّ المقصود عدم إشهاد المعروف بالفسق، كما أنّه لا يعارض ما ذكرنا بالاحتياط؛ إذ هو تارة بالفعل، و تارة بالترك.
و مع ذلك كلّه فمن المستبعد جدّاً أو الممتنع أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) و أمير المؤمنين (عليه السلام) و غيرهما من القضاة و الحكّام- الذين لا انقطاع لُامور الخصومات و الحدود في زمانهم، بل لعلّها في اليوم الواحد تتكرّر عند الشخص الواحد منهم مرّات- كانوا يبحثون و ينقّرون و يفتّشون كما يصنعه المتأخّرون من أصحابنا، و خفي على من ذكرنا من قدماء أصحابنا كابن الجنيد و المفيد و الشيخ، حتى أنّ الشيخ حكى إجماع الفرقة و أخبارهم على ذلك، هذا.
لكن لا يخفى عليك أنّ هذا الأصل غاية ما يمكن تسليم مقتضاه حمل ما يقع من المسلم من ذي الوجوه- قولًا أو فعلًا- على الوجه الصحيح منها، و أنّه لا يجوز التفتيش عمّا يقتضي فساد فعله، بل يغضّ السمع و البصر و يحمل على الحسن ما لم يكن الفعل و القول نصّاً [٣] في الفساد أو ظاهراً [٤] فيه على الأقوى، و إلّا لم يمكن الجرح إلّا نادراً، لا أنّ مقتضاه أن لا يقع منه ما يقتضي الفسق و ما لا وجه له إلّا هو، و ملاحظة الأخبار بالنسبة للطهارة و النجاسة و الذبائح و المناكح و نحوها من المعاملات و العبادات لا تفيد أزيد من ذلك.
و لا ينافيه ردّ شهادته حيث يشهد و إن كان الأصل يقتضي أن لا تكون زوراً، لكنّ ذلك في نفسه لو علم لا يكفي في قبول الشهادة؛ لاحتمال الوهم و النسيان و الدخول إليها بمدخل شرعي فاسد و إن كان معذوراً فيه، على أنّ اشتراط العدالة فيها تعبّدي يرتفع أثر هذه الاحتمالات عندها.
فمورد أصل الصحّة حينئذٍ الفعل المعلوم أنّه محتمل في نفسه لوجوه متعدّدة، لا المحتمل أنّه من المحتمِل، و إلّا فقد يكون هو في نفسه ممّا لا يحتمل إلّا الفساد، فتأمّل.
و دعوى أنّه كما أنّ الأصل حمل فعل المسلم على الوجه الصحيح كذلك الأصل في المسلم أن لا يخلّ بواجب و لا بترك محرّم-
[١] البقرة: ٢٨٢.
[٢] الطلاق: ٢.
[٣] الأولى: «نصّين».
[٤] الأولى: «ظاهرين».