جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٥٣ - الفرع الثالث صلاة الخوف للخائف في غير الحرب
[لكنّه لا يخلو من نظر و تأمّل، خصوصاً فيمن يندرج فيهم من الأسير في أيدي المشركين و المعسر العاجز عن البيّنة إذا هرب خشية الحبس، و الخائف من الظالم إذا هرب، بل و إذا استتر في بيته مثلًا أيضاً منه. و كذا لو كان المحرم يخاف فوت الوقوف باتمام الصلاة عدداً أو أفعالًا و يرجو حصوله بقصرهما أو أحدهما، نظر و تأمّل].
إرادة القصر الكيفيّة المتّفق عليه في جميع أسباب الخوف نقلًا و تحصيلًا- تجبره الشهرة العظيمة المحكيّة في الرياض [١] على التعميم المزبور إن لم تكن محصّلة، بل في المعتبر نسبته إلى فتوى علمائنا [٢] مؤذناً بدعوى الإجماع عليه، بل في مجمع البرهان الإجماع على عدم الاختصاص بالكفّار، مع أنّه تردّد فيه بعد ذلك [٣]. لكنّ الإنصاف أنّه مع ذلك كلّه لا يخلو من نظر و تأمّل:
١- خصوصاً فيما قيل: إنّه يندرج في إطلاقهم الأسير في يد المشركين، و المعسر العاجز عن البيّنة [٤] [على إعساره] إذا هرب خشية الحبس و الخائف من الظالم إذا هرب، بل و إذا استتر في بيته مثلًا أيضاً منه.
٢- و خصوصاً فيما ذكره في الذكرى من أنّه «لو كان المحرِم يخاف فوت الوقوف بإتمام الصلاة عدداً أو أفعالًا و يرجو حصوله بقصرهما أو أحدهما فالأقرب جوازهما؛ لأنّ أمر الحجّ خطير، وقضاءه عسير» [٥]؛ إذ أصالة التمام و إطلاق أدلّته يجب عدم الخروج عنهما إلّا بدليل معتدّ به، و ليس، و الآية [٦] إن لم يكن ظاهر المفهومين فيها خلاف ذلك، فلا دلالة فيها على شيء منه.
فما وقع لبعضهم من الاستدلال بمنطوقها [الآية] على خوف العدوّ و فحواها على باقي الأسباب ٧ كما ترى. و دعوى الأولويّة القطعيّة أو المساواة في غاية المنع؛ لأنّ حكم الشرع و مصالحه في غاية الخفاء. و التعليق على الخوف- مع أنّ المنساق منه خصوصاً مع ملاحظة باقي النصوص: العدوّ- لا ظهور فيه في المطلق، سيّما مع عدم وضوح التعليق و عدم سوقه لبيان ذلك. و نصوص السبع و نحوه ظاهرة في قصر الكيفيّة. و الشهرة فضلًا عن الإجماع لم نتحقّقها؛ إذ جملة من المحكيّ من عبارات القدماء محتملة لإرادة قصر الكيفيّة كالأخبار. و موثّق سماعة المضمر: سألته عن الأسير يأسره المشركون فتحضره الصلاة فيمنعه الذي أسره منها؟ قال:
«يومئ إيماءً» [٨] كموثّقه الآخر: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يأخذه المشركون فتحضره الصلاة فيخاف منهم أن يمنعوه فيومئ إيماءً؟ قال: «يومئ إيماءً» [٩] إنّما يدلّ على قصر الكيفيّة. و لذا نصّ الشهيد في الذكرى- مع أنّه عمّم أسباب الخوف ذلك التعميم المزبور- على عدم جواز تقصيره في العدد ١٠. و كأنّه للفرق بين التقصير خشية استيلاء العدوّ مثلًا لو أتمّ، و بين الخوف من أدائها بمحضر منه، و الأوّل هو الذي يقصّر العدد لأجله- و يسمّى بصلاة الخوف- لا الثاني. و منه يظهر ضعف القول بتقصير المستتر المختفي في مكان؛ إذ لا يخشى من الهجوم عليه لو أتمّ، فإنّ الفرض بقاؤه في ذلك المكان بعد الصلاة. و لعلّه ممّا سمعته كلّه تردّد الفاضل [١١]- كما قيل- بل و غيره فيه [الحكم]، بل حكي عن السرائر و غيرها وجوب مراعاة العدد في جميع هذه الأسباب [١٢].
[١] الرياض ٤: ٤٠٣.
[٢] ٢، ٧ المعتبر ٢: ٤٦١، ٤٦٢.
[٣] مجمع الفائدة و البرهان ٣: ٣٤٣، ٣٤٤.
[٤] الذكرى ٤: ٣٦٣، ٣٦٤.
[٥] ٥، ١٠ الذكرى ٤: ٣٦٤، ٣٦٣.
[٦] البقرة: ٢٣٩.
[٨] الوسائل ٨: ٤٤٨، ب ٥ من صلاة الخوف و المطاردة، ح ٢.
[٩] المصدر السابق: ح ١، و ليس فيه: فيومئ إيماءً».
[١١] المنتهى ٦: ٤٣٤.
[١٢] السرائر ١: ٣٤٨.