جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٦٢ - التخيير في المواطن الأربعة
..........
ذلك لهم فلهذا قلته» [١]. و صحيح أبي ولّاد [٢] المتقدّم في المسألة السابقة. و إلّا فطرح تلك النصوص كلّها المعتضدة بما عرفت، و تأويلها حتى أخبار التخيير منها بإرادة الإتمام مع نيّة العشرة- مع تصريح المشتمل على الإتمام للصلاة الواحدة و بمجرّد المرور، بل و ما دلّ أيضاً منها على كونه من الأمر المذخور، بل و ما دلّ على كون ذلك من خواصّ الأربعة، و ما دلّ على أنّه إنّما يفعل ذلك الضعفة، بل و ما دلّ عليه أيضاً في قبر الحسين (عليه السلام) المعلوم عدم التمكّن من نيّة المقام عنده في تلك الأيّام بنفيه- كما ترى. و أضعف منه حملها على التقيّة كما يومئ إليه الصحيحان المزبوران اللذان هما- مع ضمّ أحدهما إلى الآخر- يدلّان على الإتمام بخمسة أيّام مطلقاً، و لا ريب أنّه للتقيّة، فإنّ الاكتفاء بها في أيّام الإقامة محكيّ عن الشافعي [٣]؛ إذ هي: ١- مع أنّ بعضها يأبى ذلك.
٢- و إمكان التخلّص عنها بالسلام خفية على الركعتين ثمّ تعقيبهما بصلاة ركعتين. ٣- و استبعاد خفاء ذلك على من عرفته من الأصحاب. ٤- و معروفيّة التمام بين الطائفة. ٥- و اشتمال بعضها على ذكر قبر الحسين (عليه السلام) الذي يجهد في التخفّي بحضوره فضلًا عن التمام فيه. ٦- لا توافق الأمر بالإتمام في كثير منها الظاهر في تعيّنه؛ إذ هو ليس مذهباً لأحد منهم كما قيل ٤؛ لأنّهم ما بين موجب للقصر و هم الأكثر، و منهم أبو حنيفة [٥]، و بين مخيّر بينه و بين الإتمام، و هو الشافعي [٦] و غيره. و من هنا يظهر أنّ حمل نصوص القصر على التقيّة أولى من العكس كما عن جماعة من الأصحاب التصريح به؛ لاتفاقهم عليه و اشتهار مذهب أبي حنيفة قديماً و حديثاً. بل لعلّه إلى ذلك أشار (عليه السلام) في غير واحد من النصوص السابقة بقوله (عليه السلام): إنّ الإتمام في هذه المواطن من مخزون علم اللّٰه و مذخوره، على معنى إرادة أنّه ممّا اختصّ به آل محمّد عليهم الصلاة و السلام و شيعتهم و ادّخره لهم و صانه عن غيرهم و لم يوفّق له سواهم معرّضاً بذلك كلّه على أبي حنيفة و أصحابه. بل من ذلك و نحوه حينئذٍ يظهر معنى صحيح ابن الحجّاج المتقدّم سابقاً في نصوص المختار و أنّ المراد استترنا بالإتمام خوفاً من اطّلاعهم على إتمامنا. لا أنّ المراد الاستتار به عن أن يطّلعوا علينا أنّا نقصّر حتى يكون دالّا على كون الإتمام تقيّة. كما أنّه يظهر منه و من غيره أنّ المراد بقوله (عليه السلام): «إنّما يفعل ذلك الضعفة» سوادهم و عوامّهم الذين يتخيّرون من الأعمال ما خفّ و لا يعرفون مواقع الفضل، لا أنّ المراد بهم ضعفة الأحوال الذين لا يستطيعون نيّة المقام لفقرهم و ضعف حالهم. و بالجملة: الناظر بعين الإنصاف إلى هذه النصوص لا يكاد يستريب فيما ذكرناه من وجوه. بل لو لم يكن إلّا كثرة هذا التساؤل عن ذلك في خصوص هذه المواضع- مع أنّ القصر للمسافر من ضروريّات مذهب الشيعة، حتى أنّ ابن مهزيار مع جلالة قدره و عظم منزلته و كثرة ملاقاته لهم (عليهم السلام) وقع منه ما سمعت كغيره من الرواة- لكفى في إثبات المختار. لا أقلّ من حصول التعارض بين أمري الإتمام و التقصير الذي من المعلوم أنّ الحكم فيه التخيير، خصوصاً مع قيام الشاهد عليه من النصوص السابقة. لكن و مع ذلك كلّه فلا ريب أنّ الأحوط القصر؛ لضعف احتمال تعيّن التمام في جنبه بعد ظهور أدلّته- بل صريح بعضها- بعدم تعيّنه. ثمّ لا فرق فيما وقفنا عليه من فتاوى الأصحاب في الحكم المزبور بين المواضع الأربعة، لكن في المدارك- بعد أن ذكر التخيير في الحرمين- قال: «و أمّا مسجد الكوفة و الحائر فقد ورد بالإتمام فيهما أخبار كثيرة، لكنّها ضعيفة السند، و أوضح ما وصل إلينا في ذلك مسنداً خبر حمّاد بن عيسى عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «من مخزون علم اللّٰه الإتمام في أربعة مواطن:
[١] علل الشرائع: ٤٥٤، ح ١٠. الوسائل ٨: ٥٣١، ب ٢٥ من صلاة المسافر، ح ٢٧.
[٢] الوسائل ٨: ٨: ٥٠٨، ب ١٨ من صلاة المسافر، ح ١.
[٣] ٣، ٤ المجموع ٤: ٣٦١، ٣٦٤. الرياض ٤: ٤٤٣.
[٥] المبسوط (السرخسي) ١: ٢٣٨.
[٦] المجموع ٤: ٣٣٥، ٣٣٧.