جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٤٠ - الطرف الثاني ما يعتبر في الإمام
..........
و دفع ذلك كلّه بأنّ المراد أنّ الكبيرة كلّ ما توعّد اللّٰه عليها بالنار، و بعض الأشياء الذي قام عليه الدليل ينافيه جعل ذلك ضابطاً. و من هنا توقّف (رحمه الله) في الحكم بكبر بعض الأشياء الواردة في السنّة مع عدم دخولها تحت هذا الضابط [١].
و أيضاً قوله (رحمه الله) أخيراً: إنّه قد يتعقّب الوعيد في الآيات خصالًا شتّى و أوصافاً متعدّدة لا يعلم أنّها للمجموع أو للآحاد، فلذلك طوينا ذكرها فيه، أنّه إذا كان اجتناب الكبيرة شرطاً مثلًا في تحقّق العدالة و غيرها فلا يمكن الحكم بالعدالة حتى يعلم اجتناب الكبيرة، و لا يكون ذلك إلّا باجتناب جميع ما يحتمل أنّه كبيرة.
نعم لو قلنا إنّ فعل الكبيرة مانع من الحكم بالعدالة لاتّجه القول بذلك؛ لأنّا لم نعلم أنّها كبيرة، و لعلّه (قدس سره) أراد الشكّ في الاندراج في التعريف، فيتجه له حينئذٍ عدم إجراء حكم الكبيرة على مثله، لكون المتيقّن الأخير في الآية، و غيره محلّ شكّ فيه.
و لكن على كلّ حال الرجوع في تفسير الكبيرة إلى ما ذكر- من أنّها ما توعّد اللّٰه عليها بالنار، و رجوع ذلك إلى معرفتنا، و أنّ المراد به كون ذلك الوعد في كتابه لا ما يشمل ما كان على لسان نبيّه و الأئمة عليهم الصلاة و السلام، و إجراء الحكم من العدالة و التكفير و نحو ذلك عليه- ممّا يقطع الناظر المتأمّل الممارس لطريقة الشرع بفساده. فلا بدّ إمّا من القول بهذا التفسير و إيكال ذلك إلى معرفتهم (عليهم السلام)، كما يشعر به حسنة عبيد بن زرارة المتقدّمة، و يتّجه حينئذٍ ما نقل عن ابن عباس أنّها إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع [٢]، و في رواية: إلى السبعين ٣. أو يراد به و لو على لسان النبي و الأئمة عليهم الصلاة و السلام كما تشعر به رواية عبد العظيم ابن عبد اللّٰه الحسيني. أو يراد تعريف الأكبر من قوله: «هي ما توعّد اللّٰه عليه بالنار» [٤] لا أنّه تعريف مساوٍ للكبائر، كما يشعر به بعض الأخبار [٥]، و في بعض الروايات [٦]: أنّها سبع، و عدّ منها ما توعّد اللّٰه عليه النار.
و بذلك يتّجه الجمع بين الروايات. و دعوى أنّ حصر الكبائر فيما ذكره العلّامة المزبور لا يقتضي عدم انقداح العدالة بغيرها، و أنّه لا بدّ و أن تقع غيرها مكفّرة؛ إذ لعلّ العدالة يقدح فيها ما ليس بكبيرة، و جميع الصغائر لا تقع مكفّرة. يدفعها: ظهور اتّفاق القائلين بأنّ الذنوب على قسمين- صغائر و كبائر- على هذين الأمرين. نعم بعض من لم يقل بذلك كابن إدريس يظهر منه انقداح العدالة بالجميع، و أنّها محتاجة إلى التوبة [٧]، على أنّه لا فائدة في هذه المتعبة في حصر الكبائر من دون هذين الأمرين، ١٣/ ٣٢٠/ ٥٢١
فإنّه (رحمه الله) قد ظهر منه بذل الجهد بما لم يسبقه إليه أحد حتى يظهر منه أنّه استقرأ القرآن من أوّله إلى آخره، و لاحظ جميع الأخبار الواردة في المقام و جميع [٨] ما تضمّنته الروايات- بعد حذف المكرّر- في أربعين، و ما تضمّنه الكتاب العزيز صريحاً و ضمناً في أربع و ثلاثين، و استشكل فيما تضمّنته بعض الأخبار من جهة عدم موافقته لهذا الضابط، و ما ذلك إلّا ليرتّب عليها أحكاماً جليلة كالعدالة و الاحتياج إلى التوبة و نحو ذلك. و قد عرفت أنّ ذلك غير متّضح الوجه.
[١] مصابيح الاحكام: الورقة ١٥٩.
[٢] ٢، ٣ تفسير الطبري ٥: ٤١.
[٤] تقدّم في ص ٢٣٩.
[٥] الوسائل ١٥: ٣١٨، ٣٢٥- ٣٢٦، ٣٣٠، ب ٤٦ من جهاد النفس، ح ١، ٢٠، ٣٥.
[٦] المصدر السابق: ٣٢٢، ٣٢٦، ٣٢٧، ح ٦، ٢١، ٢٤.
[٧] السرائر ٢: ١١٨.
[٨] يحتمل: «جمع».