جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٢ - المواسعة و المضايقة في القضاء
..........
عنده من قول الأئمّة (عليهم السلام).
فمن العجيب بعد ذلك كلّه و غيره- ممّا تركنا التعرّض له خوف الإطالة و الملل، و أوكلناه إلى مظانّه- دعوى شهرة القول بالمضايقة و الإجماع عليها، و لقد أجاد من منعها على مدّعيها، و كيف؟! و قد عرفت أنّ ذلك مذهب جمّ غفير من قدماء الأصحاب و متأخّريهم ممّن اشتهرت أقوالهم، و كثرت أتباعهم، و تفرّقت أمصارهم من قمّيهم و خراسانيّهم و شاميّهم و عراقيّهم و ساحليّهم و اصبهانيّهم و كاشانيّهم، و فيهم من هو من أجلّاء أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) و لا يصدر إلّا بأمرهم (عليهم السلام)، و من أدرك الغيبتين، و من انتهى ................
إليه في زمانه أمر الرئاستين، و اقرّ له بالفقه و صدق اللهجة.
و إن كان لم يصرّح بعضهم بجميع ما ذكرناه في العنوان عند شرح المتن، إلّا أنّه لازم ما ذكره منه و لو بمعونة عدم القول بالفصل أو غيره، كما يومئ إليه ملاحظة كلامهم في تحرير هذا النزاع قديماً و حديثاً، فإنّهم ذكروا جملة من أهل القول بالمواسعة المحضة- كعليّ بن أبي شعبة و الحسين بن سعيد و ابن عيسى و الجعفي و الواسطي و الصدوقين و غيرهم- مع أنّه ليس في المحكيّ من كلام هؤلاء إلّا التصريح ببعض ما سمعته في العنوان: من فعل الحاضرة في أوّل وقتها، أو عدم إيجاب العدول منها إليها، أو غير ذلك ممّا لا تلازم بينه و بين القول بالمواسعة المحضة من كلّ وجه.
و ما ذاك إلّا لاكتفائهم في القول بها بالتصريح ببعض ما عرفت، كما أنّ القول بالمضايقة كذلك، و إلّا لو اقتُصر بالنسبة إلى كلّ عبارة على ما نصّت عليه و صرّحت به و جعل قولًا مستقلّاً لأمكن إنهاء الأقوال في المسألة إلى عشرين أو ثلاثين؛ لاختلاف العبارات بالنسبة إلى ذلك اختلافاً شديداً، خصوصاً عبارات القدماء التي لم يُراع فيها السلامة من الحشو و نحوه، و من المعلوم خلاف ذلك كلّه عند كلّ محرّر للخلاف و النزاع في المقام.
فيعلم حينئذٍ أنّه لا قائل بالتفصيل و الجمود على خصوص ما نصّ عليه في هذه العبارات، فيكتفى بإدراج من نصّ على بعض ما سمعته في العنوان في القائلين بالمواسعة، و نحوه في المضايقة على ما ستعرف، فتأمّل جيّداً.
و مع ذلك كلّه فالمتّبع الدليل، و ستعرف ثبوته على جميع ما في العنوان.
و كذا لا يقدح ما بينهم من الخلاف في أمر غير ما نحن فيه، من التخيير المحض في تقديم الحاضرة أو الفائتة كما هو المحكيّ عن ظاهر الراوندي و الحمصي و ابن سعيد منهم [١]، أو استحباب تقديم الحاضرة- كما هو ظاهر الصدوقين [٢] و الجعفي [٣] و الواسطي [٤] و عن الصوري [٥]، بل ربّما ظهر من بعضهم وجوبه، لكن يجب إرادته الاستحباب منه؛ للإجماع من الطائفة نقلًا [٦] و تحصيلًا على جواز التقديم و عدم ترتّب الفائتة على فعلها- أو استحباب تقديم الفائتة كما عن العلّامة و والده [٧] و ولده [٨] و مشايخه المعاصرين له و أكثر المتأخّرين عنه، بل ظاهر كشف الرموز الاتّفاق عليه في الجملة [٩].
لكنّ الأمر في هذا الخلاف هيّن، بل الظاهر سقوطه عند التحقيق، فإنّ التخيير في الجملة مشترك بين الكلّ، و هو الأصل في هذا القول، بل لعلّ ترجيح الفائتة عند من ذكره نظراً إلى الاحتياط الذي لا ينافي ترجيح الحاضرة بالذات من حيث إنّها صاحبة الوقت المحتمل إرادة من ذكره له، كما لا يخفى على الملاحظ المتدبّر، فيكون النزاع لفظيّاً، فتأمّل جيّداً.
[١] نقله عنهم في غاية المراد ١: ١٠٠.
[٢] نقله عن عليّ بن بابويه في المختلف ٣: ٥. الفقيه ١: ٣٥٥، ذيل الحديث ١٠٢٩، ١٠٣٠.
[٣] نقله في مفتاح الكرامة ٣: ٣٨٨.
[٤] نقله في مفتاح الكرامة ٣: ٣٨٦.
[٥] نقله في غاية المراد ١: ١٠٠.
[٦] مفتاح الكرامة ٣: ٣٨٨.
[٧] المختلف ٣: ٦.
[٨] الايضاح ١: ١٤٧.
[٩] كشف الرموز ١: ٢١٠.