جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٠٤ - الطرف الأوّل الجماعة مستحبّة في الفرائض
..........
جملة من أخبار الباب [١]- الدالّة على أنّ تارك الجماعة لا صلاة له- الكراهة أيضاً، كما هو ظاهر الحرّ في وسائله [٢]: بتقريب أنّه متى تعذّرت الحقيقة وجب الانتقال إلى أقرب المجازات ثمّ الأقرب، و لا ريب أنّه الكراهة بعد الفساد. لكنّ المعروف استفادة نفي الكمال من مثل هذا التركيب الذي هو أعمّ من الكراهة، مع احتمال إرادة نفي الصلاة منه هنا عن التارك رغبةً عن الجماعة، كما يومئ إليه بعض الأخبار [٣]، و إرادة لا صلاة له بين المسلمين، بمعنى عدم حكمهم بها له لعدم رؤياه في جماعة المسلمين، كما يومئ إليه آخر [٤]، أو غير ذلك. لكن قد يقال: إنّ الكراهة إن لم تستفد من هذا التركيب فيمكن استفادتها ممّا رواه ابن أبي يعفور عن الصادق (عليه السلام): أنّه «همّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) بإحراق قوم [٥] كانوا يصلّون في منازلهم و لا يصلّون الجماعة، فأتاه رجل أعمى فقال:
يا رسول اللّٰه إنّي ضرير البصر، و ربّما أسمع النداء و لا أجد من يقودني إلى الجماعة و الصلاة معك، فقال النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم): شدّ من منزلك إلى المسجد حبلًا و احضر الجماعة» [٦]. و ابن ميمون عنه أيضاً عن آبائه (عليهم السلام) أنّه قال: «اشترط رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) على جيران المسجد شهود الصلاة، و قال: لينتهنّ أقوام لا يشهدون الصلاة أو لآمرنّ مؤذّناً يؤذّن ثمّ يقيم ثمّ آمر رجلًا من أهل بيتي- و هو عليّ (عليه السلام)- فليحرقنّ على أقوام بيوتهم بحزم الحطب؛ لأنّهم لا يأتون الصلاة» [٧]. و غيرهما ممّا هو كذلك أو نحوه. لكنّك خبير أنّ ظاهرها [٨] لا يلائم الكراهة أيضاً؛ ضرورة عدم استحقاق العقاب المؤجّل على عدم فعلها فضلًا عن المعجّل، فوجب حملها- بعد صحيح زرارة و الفضيل: قلنا له: الصلاة في جماعة فريضة هي؟ فقال: «الصلاة فريضة، و ليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلّها، و لكنّها سنّة من تركها رغبة عنها أو عن جماعة المؤمنين من غير علّة فلا صلاة له» [٩]، بل الإجماع بقسميه بل الضرورة من المذهب على عدم وجوبها لا كفاية و لا عيناً في غير الموضعين المخصوصين- على إرادة الترك حتى للواجب منها كالجمعة، أو على إرادة الترك رغبة عن جماعة المسلمين، معرّضاً به لبعض المنافقين الذين لم تطمئنّ قلوبهم بهذا الدين، كما يومئ إليه جملة من الأخبار:
١٣/ ١٤٠/ ٢٢٢
١- منها: خبر ابن سنان عن الصادق (عليه السلام): سمعته يقول: «إنّ اناساً كانوا على عهد رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) أبطئوا عن الصلاة في المسجد، و قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم): ليوشك قوم يدعون الصلاة في المسجد أن نأمر بالحطب فيوضع على أبوابهم فيوقد عليهم نار فتحرق عليهم بيوتهم» [١٠]. ٢- و منها: آخر قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم): «لا غيبة إلّا لمن صلّى في بيته و رغب عن جماعتنا، و من رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته، و سقطت بينهم عدالته، و وجب هجرانه، و إذا رفع إلى إمام المسلمين أنذره و حذّره، فإن حضر جماعة المسلمين و إلّا أحرق عليه بيته» [١١]. إلى غير ذلك من الأخبار المشعرة بما ذكرنا، المؤيَّدة بعدم ذكر أحد من الأصحاب الحكم بكراهة ترك الجماعة، بل اقتصروا على ذكر استحبابها. و الأمر سهل بعد معلوميّة عدم حرمة الترك عندنا.
[١] الوسائل ٨: ٢٩١، ٢٩٤، ب ٢ من صلاة الجماعة، ح ١، ٣، ١٢.
[٢] انظر الوسائل ٨: ٢٩١، ب ٢ من صلاة الجماعة.
[٣] الوسائل ٨: ٢٩٢، ب ٢ من صلاة الجماعة، ح ٧.
[٤] المصدر السابق: ٢٩٣، ح ٨.
[٥] في المصدر بعدها: «في منازلهم».
[٦] المصدر السابق: ح ٩.
[٧] المصدر السابق: ٢٩٢، ح ٦.
[٨] الأولى تثنية الضمير.
[٩] الوسائل ٨: ٢٨٥، ب ١ من صلاة الجماعة، ح ٢.
[١٠] الوسائل ٨: ٢٩٣، ب ٢ من صلاة الجماعة، ح ١٠.
[١١] الوسائل ٢٧: ٣٩٢، ب ٤١ من الشهادات، ح ٢.