جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٢٥ - كفاية تواري الجدران أو خفاء الأذان في حدّ الترخّص
..........
بل عن شرح التهذيب للمجلسي حكاية الشهرة عليه من غير تقييد [١] و اختاره جماعة من المتأخّرين و متأخّريهم؛ للجمع:
١- بين صحيح ابن مسلم: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): رجل يريد السفر فيخرج متى يقصّر؟ قال: «إذا توارى من البيوت» [٢].
٢- و بين صحيح ابن سنان: سأله عن التقصير؟ فقال: إذا كنت في الموضع الذي لا تسمع الأذان فقصّر، و إذا قدمت من سفرك مثل ذلك» [٣].
٣- و الآخر المروي عن المحاسن بسند صحيح إلى حمّاد بن عثمان عن رجل [٤] عنه (عليه السلام)، و فيه: «إذا سمع أتمّ المسافر» [٥].
٤- و الموثّق الذي مرّ في المباحث السابقة، فإنّ فيه: أ ليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم [٦]؟!
٥- و ما مرّ من المحكي عن فقه الرضا (عليه السلام)؛ بإرادة [٧] التخيير بين الأمرين.
و فيه: أنّه لا شاهد عليه من نصّ أو غيره، و لا ينتقل إليه من مجرّد اللفظ؛ إذ ظاهرهم إرادة التخيير كخصال الكفّارة، لا كتخيير الحائض بالعمل بالروايات، و الفقيه بإحدى الأمارتين. و هو لو سلّم الانتقال إليه من الخبرين ففي التكليف بالضدّين و نحوه ك«- صلِّ عند الزوال ركعتين» و «أمض إلى السوق لشراء اللحم عنده»- و لو بملاحظة تعذر الجمع بينهما مع حكمة المكلّف- لا في مثل المقام المساق لبيان ذكر علامة بلوغ الحدّ الموجب للتقصير، الذي لا مانع فيه عقلًا من كون العلامة فيه مجموع الأمرين.
بل لعلّه الظاهر هنا؛ جعلًا لكلِّ من الواقعين بعد أداة الشرط شرطاً اصوليّاً، كما يؤيّده استقراء أمثاله ممّا جاء في بيان الشرائط للعبادات أو المعاملات. و ظهور أداة الشرط في التسبيب- بعد تسليمه- إنّما هو إذا اتّحدت لا مع التعدّد كما في المقام.
و دعوى كون المفهوم منها في الثاني أنّ السبب أحد الأمرين أو الامور لا المجموع؛ إذ التعارض بينهما في خصوص اقتضاء العدم عند العدم، فيتقيّد حينئذٍ سببيّة عدم كلٍّ منهما للعدم بوجود الآخر، أمّا تسبيب وجود كلٍّ منهما للوجود فيبقى على حاله؛ لعدم التعارض فيه، كتسبيب عدم كلٍّ منهما للعدم في غير محلّ وجود الآخر؛ لعدم التعارض فيه أيضاً.
يدفعها: أنّ ذلك حينئذٍ ليس من التخيير المحكي في الرياض [٨] و كتاب المقدّس البغدادي عنهم، قال في الثاني عند بيان مدرك ما ذكروه من الجمع المزبور: «إنّ الشارع جعل للترخّص سببين، فبأيّهما أخذ امتثل». و لذا اعترض عليهم الاستاذ الأكبر على ما حكي عنه- زيادةً على ما عرفت- بأنّ استقلال كلٍّ منهما بالسببيّة مستلزم للمحال، و هو التكليف بالشيء و نقيضه حيث يسمع الأذان و لا يرى الجدران أو بالعكس [٩]. و ربّما اجيب بأنّه لا تناقض أصلًا؛ لأنّ العمل على ما سبق منهما. و ردّه المقدّس البغدادي- بل جعله من الخطأ الفاحش- بأنّه «قد يقترنان كما إذا سمع الأذان حين خفي عليه الجدران، سلّمنا لكن إذا سبق أحدهما كالخفاء و لم يصلّ أو لم يسلّم على الثنتين حتى سمع الأذان كيف يصنع و قد تناقض عليه العلامتان؟!».
[١] ملاذ الأخبار ٣: ٣٥٢.
[٢] الوسائل ٨: ٤٧١، ب ٦ من صلاة المسافر، ح ١.
[٣] المصدر السابق: ٤٧٢، ح ٣.
[٤] ليس في الوسائل: «عن رجل».
[٥] المحاسن: ٣٧١، ح ١٢٧. الوسائل ٨: ٤٧٣، ب ٦ من صلاة المسافر، ح ٧.
[٦] الوسائل ٨: ٤٦٧، ب ٣ من صلاة المسافر، ح ١١.
[٧] متعلّق بقوله: «للجمع».
[٨] الرياض ٤: ٤٣٤.
[٩] حاشية المدارك ٣: ٤١١.