جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٨٧ - الطرف الثاني ما يعتبر في الإمام
..........
فيكون حينئذٍ كقول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير المرادي عن الصادق (عليه السلام): «لا يصلّي المسافر مع المقيم، فإن صلّى فلينصرف في الركعتين» [١]، الذي يراد منه أنّ الأرجح له أن لا يفعل، فإن فعل كانت هذه كيفية صلاته، بل ينبغي الجزم بالنسبة للنهي الأوّل بقرينة الأخبار الاول، بل يمكن تحصيل القطع بالجواز فيهما بملاحظة السيرة و الطريقة، و عدم معروفية المنع مع كثرة وقوع ذلك في زمن النبيّ و أمير المؤمنين عليهما الصلاة و السلام و غيرهما؛ إذ لا زال المتردّدون من الأطراف عندهم و يحضرون الصلاة معهم، كما أنّهم (عليهم السلام) لا زالوا هم في سفر يأمّون فيه من فرضه الإتمام، و مع ذلك لم ينقل خبر من الأخبار أنّهم (عليهم السلام) منعوهم من الائتمام في أحد الحالين؛ إذ لو وقع لشاع و ذاع حتى خرق الأسماع؛ لتوفّر الدواعي إليه.
و دعوى عدم صراحة الموثّق المزبور بالكراهة؛ لاحتمال اختصاص الصحّة بصورة الضرورة و التقية، كما هو مورد الخبر، نحو المحكي عن فقه الرضا (عليه السلام)، بل فيه زيادة على «و إن ابتلي» «و لم يجد بدّاً من أن يصلّي معهم» [٢] و هو نصّ في اختصاص الحكم بالجواز و الصحة بحال الضرورة، و هو لا يستلزم ثبوته كلّية، كما هو ظاهر الجماعة، بل الثابت خصوص الحال المزبور؛ لاعتبار سند الخبرين- أي الموثّق و الرضوي- و صلاحيّتهما بذلك لتقييد إطلاق الصحاح بحالة الضرورة؛ إذ غايتها إفادة الصحّة في الجملة، و لا إشكال فيها كذلك، و إنّما هو في كلّيّتها و عمومها لحال الاختيار، و ليس فيها تصريح بل و لا إشارة، بل غايتها الإطلاق المحتمل للتقييد بالضرورة جمعاً بين الأدلّة، مع أنّه مساق لبيان حكم آخر غير الجواز، و هو كيفية اقتداء المسافر بالحاضر و بالعكس- لو اتّفق- ردّاً على جماعة من العامّة القائلين بأنّه إذا اقتدى المسافر بالمقيم لزمه التمام، و هم الشافعي و أبو ثور [٣] و أبو حنيفة و أصحابهم [٤] [٥]، و لا عبرة به حينئذٍ فيما نحن فيه؛ ضرورة حجّيته فيما يساق له.
يدفعها- بعد الإجماع حتى من الصدوقين؛ إذ المحكي عنهما إطلاق المنع- وضوح قصور الخبرين عن التقييد سنداً و دلالة و اعتضاداً، بل الثاني منهما غير حجّة عندنا، و في سند الأوّل منهما داود بن الحصين، و عن ابن عقدة [٦] و الشيخ أنّه واقفي [٧] و لا بيان فيه للابتلاء المجوّز لذلك، بل لعلّ كثيراً من أفراده لا يتصوّر فيه الاضطرار؛ إذ التقيّة لا يمكن حمل الأخبار هنا حتى الموثّق عليها، باعتبار نصوصيّتها في خلاف الكيفيّة التي عندهم في ائتمام المسافر بالحاضر بعد الإغضاء عن دعوى الظهور أو القطع بانسياق إرادة بيان شدّة الكراهة من نحو العبارة في مثل المقام، و كأنّ المقام من الواضحات التي لا تستأهل تطويل البحث، كما أنّ إثبات الكراهة في الأمرين معاً كذلك و إن كان ربّما يظهر من اقتصار المتن- كالمحكي عن غيره [٨]- على كراهة ائتمام الحاضر بالمسافر انتفاؤها في العكس، كما حكي عن ظاهر المراسم [٩]، بل قيل: «إنّه كاد يكون صريح التحرير، و مال إليه أو قال به في المختلف» [١٠] انتهى؛ إذ إجماع الخلاف و الغنية [١١] و الموثّق المزبور المعتضد بالرضوي كافٍ في إثبات الكراهة التي يتسامح فيها.
[١] المصدر السابق: ٣٢٩، ح ٣.
[٢] فقه الرضا (عليه السلام): ١٦٣. المستدرك ٦: ٤٦٦، ب ١٦ من صلاة الجماعة، ح ١.
[٣] في المصدر بدلها: «و الثوري».
[٤] المجموع ٤: ٣٦٥.
[٥] في المصدر: «أصحابه».
[٦] نقله في خلاصة الأقوال: ٢٢١.
[٧] رجال الطوسي: ٣٤٩.
[٨] الإرشاد ١: ٢٧٢.
[٩] انظر المراسم: ٨٦، ٨٨.
[١٠] مفتاح الكرامة ١٠: ٢١٥.
[١١] الخلاف ١: ٥٦٠- ٥٦١. الغنية: ٨٨.