جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢١٩ - الطرف الثاني ما يعتبر في الإمام
..........
و الحاصل: أنّ ذلك محتمل في كلامهم حتى في كلام الكاتب، و إن حكي عنه التصريح بأنّ المسلمين كلّهم على العدالة إلى أن يظهر ما يزيلها [١].
و من هنا نقل عن الاستاذ الأكبر في حاشية المعالم الإجماع على أنّ المراد بالعدالة حسن الظاهر في كلّ مقام اشترطت فيه [٢]، و في شرح المفاتيح لم يستحضر الخلاف إلّا عن ابن الجنيد [٣]. و لعلّه كذلك؛ لأنّ عبارات الشيخ و غيره قابلة للحمل على ما ذكرنا، بل قد يدّعى ظهورها في هذا المعنى، فتأمّل جيداً.
و أمّا الإجماع الذي ذكره الشيخ و حال السلف من النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و الصحابة و التابعين فهو- مع إمكان تنزيله على ما سمعت- يمكن دعوى تبيّن فساده بالإجماع المحصّل الحاصل بملاحظة كلام المتقدّمين من أصحابنا من عدم اكتفائهم في التعديل بذلك، بل الشيخ نفسه عرّف العدالة في نهايته بمضمون رواية ابن أبي يعفور الآتية كما سمعت.
و من ذلك كلّه يقوى الظنّ بأنّ مراده- كبعض الأخبار- أنّه لا يحتاج إلى الفحص و التفتيش حتى يقف أنّ الرجل لا ذنب له باطناً، بل يكفي عدم ظهور الفسق بعد الخلطة و الاختبار، هذا.
و في شرح المفاتيح للمولى الأعظم: أنّه «لا بدّ من معروفيّة كونه مسلماً مؤمناً حتى يقال: يكفي مجرّد الإسلام المرادف للإيمان، فإنّ معرفة ذلك لا تتحقّق غالباً أو على سبيل التعارف إلّا بالمعاشرة و المعروفيّة، و لو لم يعرف أصلًا من أين يعلم كونه مسلماً مؤمناً؟! سيّما في ذلك الزمان الذي كان المؤمن فيه في غاية القلّة، فهو عين حسن الظاهر» [٤]. لكن قد يناقش أوّلًا بأنّ الإسلام- أي الإيمان- يكفي في ثبوته مجرّد إظهاره، و يحكم عليه بذلك بسائر أحكام المسلمين. و ثانياً بأنّه لا تلازم بين المعرفتين، فإنّ أكثر الناس نعرف أنّهم مسلمون مؤمنون، بل نشهد على ذلك، و لا نعرف من حسن ظاهرهم شيئاً، فتأمّل.
كما أنّه قد يناقش فيما وقع من بعض المتأخّرين- من الاستدلال على فساد هذا القول ببعض الأخبار [٥] المشترطة في قبول شهادة الشاهد كونه عدلًا، و في بعضها [٦] خيراً، كالآية: (وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) [٧] و نحوها-: بأنّ أصحاب هذا القول لا ينكرون اشتراط العدالة، بل يكتفون بالحكم بثبوتها بمجرّد الإيمان مع عدم ظهور الفسق، لا أنّ العدالة ليست شرطاً عندهم بل الفسق مانع كما يتخيّل، أو أنّ العدالة عندهم عبارة عن ظهور الإسلام مع عدم ظهور الفسق، و إن كان هو محتملًا في كلامهم [٨]، بل تومئ إليه بعض أدلّتهم. و كذا ما يقال: إنّ العرف و اللغة- المحكّمين في ألفاظ الكتاب و السنّة- ينفيان تحقّق العدالة بمجرّد ذلك فضلًا عن أن يحقّقا وجودها به.
أمّا أوّلًا: فلأنّ العدالة من المعاني الشرعية فيرجع فيها إليه، و قد سمعت ما يقتضي أنّها عبارة عن ذلك فيه، و لا مدخل للعرف و اللغة فيها.
و ثانياً: لا منافاة بين الحكم بها و بثبوتها بمجرّد الإيمان و عدم ظهور الفسق و بين كونها أمراً زائداً على ذلك، بل لو لم يصدق
[١] المختلف ٣: ٨٨.
[٢] المصابيح ١: ٤٢٨- ٤٢٩.
[٣] المصابيح ١: ٤٣٠.
[٤] المصابيح ١: ٤٣١.
[٥] الوسائل ٢٧: ٣٤٥، ٣٤٦، ب ٢٣ من الشهادات، ح ١، ٣.
[٦] الوسائل ٢٧: ٣٩٤- ٣٩٥، ب ٤١ من الشهادات، ح ٩.
[٧] الطلاق: ٢٠.
[٨] انظر الذخيرة: ٣٠٣.