جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٧٣ - الطرف الثاني ما يعتبر في الإمام
نعم قد يقال: إنّ المعتبر من اتّفاق المأمومين إذا كان عن نظر و معرفة و اطمئنان في الشخص و نحو ذلك، لا إذا كان لأغراض دنيويّة و شهرة سواديّة و نحوهما ممّا لا يحتاج إلى بيان لمن له أدنى مراقبة و انتقاد في أفعال العباد، خصوصاً السواد منهم، و من غلبت عليهم شهواتهم حتى ألبست لهم الباطل زيّ الحقّ احتيالًا منها بعقولهم، و مخافة هيجان أحزانهم و لم يعلموا أنّها ينتقدها عليهم الخبير البصير الحكيم اللطيف الذي يعلم السرّ و أخفى.
و كيف كان (فإن اختلفوا) أي المأمومون- تساووا أو زاد بعضهم على الآخر (١)- فزع إلى ملاحظة المرجّحات المنصوصة، لا أنّهم يقتسمون الأئمّة فيصلّي كلٌّ خلف من يختاره (٢)، في(- تقدّم الأقرأ) حينئذٍ على غيره (٣).
(١) لما عرفت من عدم مدخلية الكثرة في النصوص و إن رجح بها في التذكرة لبعض الوجوه [١].
(٢) لما فيه من الاختلاف المثير للإحن، و لأنّه خلاف مقتضى النصوص.
(٣) على المشهور بين الأصحاب نقلًا [٢] و تحصيلًا، بل في الرياض نسبته إلى اتّفاق الأصحاب [٣]، كما عن الغنية [٤] و ظاهر المنتهى الإجماع عليه [٥]، بل لا أجد فيه خلافاً معتدّاً به بيننا من زمن الصدوقين إلى زمن الكاشاني و ما قاربه و تأخّر عنه فقدّموا الأفقه عليه، ناسباً بعضهم ٦ ذلك إلى المختلف. لكنّ التدبّر في عباراته يشرف المتدبّر على القطع بفساد هذه النسبة، و إن كان فيها ما يوهمها [٧].
نعم في الذكرى نقل عن بعض الأصحاب تقديم الأفقه [٨]، و لعلّه أراد ما في التذكرة حيث نسب فيها ذلك إلى بعض علمائنا [٩]، إلّا أنّا كالشهيد لم نتحقّقه، بل و لم نتحقّق ما في الذخيرة من نسبته أيضاً إلى غير واحد من المتأخّرين [١٠]، و لعلّه أراد بعض من لم يصنّف منهم أو الأردبيلي و تلميذه سيّد المدارك، فإنّهما و إن كانا غير مصرّحين به لكنّهما مالا إليه [١١].
و كذا لم نتحقّق ما فيهما من نسبة التخيير في تقديم أحدهما إلى بعض من الأصحاب، عدا ما عساه يظهر من المحكي من عبارة المبسوط [١٢]، بل كاد يكون صريحها، و حكاه في الذكرى عن الواسطة [١٣] أيضاً، و إن قالا فيهما أيضاً بتقديم القراءة على الفقه، إلّا أنّ الظاهر إرادتهما مع التساوي في الفقه كما هو صريح المبسوط أو كصريحه.
و على كلّ حال فلم نجد قائلًا صريحاً قبل جماعة من متأخّري المتأخرين برجحان تقديم الأفقه عليه، و إن كان ربّما استشعر ذلك من عبارة الصدوق، إلّا أنّ ملاحظة المحكي من كلامه في المقنع و ما كتبه إليه والده في رسالته [١٤] و عبارة الفقه الرضوي- التي في الغالب تعبيرهما بها- يرشد إلى حصول سقط في كلامه، فلاحظ و تأمّل.
كما أنّي لا أجد فيه خلافاً أيضاً في النصوص المتعرّضة لذكر هذه الصفات و إن اختلفت في غيره إلّا أنّها اتفقت على تقديمه.
[١] التذكرة ٤: ٣٠٦.
[٢] ٢، ٦ الحدائق ١١: ٢٠٤.
[٣] الرياض ٤: ٣٤١.
[٤] الغنية: ٨٨.
[٥] المنتهى ٦: ٢٣٨، و فيه: «ذهب إليه أكثر علمائنا».
[٧] المختلف ٣: ٦٦- ٦٧.
[٨] الذكرى ٤: ٤١٤.
[٩] التذكرة ٤: ٣٠٦.
[١٠] الذخيرة: ٣٩١.
[١١] مجمع الفائدة و البرهان ٣: ٢٥٣- ٢٥٣. المدارك ٤: ٣٥٩.
[١٢] المبسوط ١: ١٥٧.
[١٣] الذكرى ٤: ٤١٥.
[١٤] المقنع: ١١٢. فقه الرضا (عليه السلام): ١٤٣.