جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٣٠ - حدّ الترخّص فيما لا يوجد فيه الجدران و لا أذان
[و] المتّجه على المختار [و هو كون الشرط أحدهما] الاكتفاء بالموجود منهما، و لا حاجة إلى مراعاة تقدير الآخر، و إذا فقد اكتفي بما يتحقّق منهما على فرض وجوده.
[حدّ الترخّص فيما لا يوجد فيه الجدران و لا أذان]:
و هل يكفي الظنّ حال التقدير أو يعتبر القطع؟ وجهان، أحوطهما إن لم يكن أقواهما الثاني (١).
(١) هذا، و قد يشكل التقدير- زيادةً على ما عرفت- بأنّه بناءً عليه تكون العلامتان ممكنتين دائماً لا تنفكّ إحداهما عن الاخرى؛ ضرورة جريان التقدير في كلّ مقام، فلا وجه حينئذٍ لجعل الشرط أحدهما لا على التعيين. بل كان يكفي خصوص الأذان أو الجدران، سيّما مع اختلافهما و حصول خفاء الأذان قبل خفاء الجدران غالباً إن لم يكن دائماً، بخلاف ما إذا لم نعتبر التقدير؛ إذ وجه التعدّد حينئذٍ اختلاف الأمكنة في حصول كلٍّ منهما، فاريد التعميم بذكر العلامتين لكلٍّ من المكانين، و إذا اتّفق اجتماعهما في مكان اعتبر خفاؤهما معاً؛ لأنّه المتيقّن، فلا يقدح التفاوت المزبور حينئذٍ.
و قد يجاب: بأنّ التعدّد قد يكون للتسهيل و التخفيف في غالب الأمكنة؛ لعدم حصول الاطمئنان بالتقدير لكثير من الناس فيوكل الفرد النادر حينئذٍ إليه و هو من فقدهما معاً لا واجدهما أو الواحد منهما.
و التفاوت المزبور غير قادح في التقريبات من الشارع و إن صارت تحقيقيّة بعد تقديره تقريباً، خصوصاً إذا كان يسيراً و كان اتّفاقيّ الحصول من كلٍّ منهما، لا أنّه لازم لواحد دون الآخر؛ إذ المتّجه عليه حينئذٍ حمل تلك الزيادة على الندب و نحوه؛ إذ هو أشبه شيء بالتخيير بين الأقلّ و الأكثر.
مع احتمال أن يكون وجهها في المقام- بناءً على اختصاص خفاء الجدران بها- هو عدم حصول الاطمئنان بخفاء الأذان عند فقده حسّاً إلّا بخفائها.
على أنّ الإشكال إنّما يحسن لو أنّ الشارع أفاد الشرطيّة بأن قال: المعتبر خفاء أحدهما، أمّا إذا كان ذلك حاصلًا من جهة اتّفاق الاجتماع و تعارض الدليلين- و إلّا فهو إنّما بيّن سببيّة كلٍّ منهما مستقلّة- فلا إشكال فيه أصلًا، كما يوضّح ذلك لك فرض وقوعه من مثل السادات لعبيدهم و غيرهم. فيندفع حينئذٍ إشكال التفاوت المزبور سواء قلنا بكون الشرط أحدهما- كما هو المختار- أو مجموعهما؛ ضرورة اشتراكهما في وروده فيشتركان في دفعه. و إن كان قد يتوهّم ممّا سمعته في تقريره اختصاص المختار به.
بل قد يتوهّم أيضاً أنّه بسبب هذا الإشكال قيل بالتخيير بين العلامتين، على معنى أنّ تكليفه ما يختاره منهما الذي قد عرفت فساده ممّا تقدّم؛ لعدم الدليل عليه، كما أنّك عرفت هنا أنّه لا إشكال يلجئ إلى ارتكاب ذلك، فتأمّل جيّداً فإنّه ربّما دقّ.
و إن أبيت عن ذلك كلّه فقل: إنّ العلامتين راجعتان في الواقع إلى شيء واحد مشخص لا اختلاف فيه، كما اختاره الاستاذ الأكبر [١] و إن أوجب أيضاً اجتماعهما لتحصيل اليقين به، و ذلك لعدم معلوميّة المراد من التواري على التشخيص و التعيين بحيث لا يقبل الزيادة و النقيصة، و كذا الأذان حتى لو اريد المتوسّط منه؛ لاختلافه أيضاً باختلاف الأزمنة من الليل و النهار، و الأمكنة و الأصوات و السامعين و غير ذلك، و لا دليل على اعتبار التخمين. لكنّك خبير بما فيه بعد الإحاطة بما سمعت.
إلّا أنّ الإنصاف بعد ذلك كلّه عدم ترك الاحتياط بتأخير الصلاة إلى خفائهما معاً أو الجمع بينه و بين الإتمام.
[١] المصابيح ٢: ١٧٣.