جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٧١ - المسافة الملفّقة
[بل المتجه كفاية مجرّد قصد الرجوع و إن كان القطع في أيّام ما لم ينقطع سفره بأحد القواطع الآتية، فيصير سفرين، يكون كلّ منهما أقل من الثمانية].
مقدار بياض يوم، و هو لا يتحقّق إلّا باتّصال السعي و عدم انفصاله بالميت و نحوه من القواطع المقتضية عدم صدق شغل اليوم معها.
و فيه: أنّه لا ظهور في شيء من النصوص بذلك حتى الخبرين المزبورين؛ إذ ليس في أوّلهما إلّا الذهاب بريداً و المجيء بريداً، و هو صادق و إن تأخّر المجيء عن ذلك اليوم.
بل هو كصحيح زرارة [١] المشتمل على مثل هذا التعبير، مع زيادة حكاية فعل النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) إذا سافر إلى ذباب، الذي هو كالصريح في عدم الرجوع ليومه؛ لظهور لفظ «كان» فيه في أنّ ذلك عادة للنبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم)، و من المستبعد رجوع النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) ليومه في جميع سفره إلى ذباب، و لعدم صحّة التعليل المشتمل عليه الخبر المزبور لو لوحظ الرجوع ليومه؛ ضرورة عدم مدخليّة ذلك في بلوغ الثمانية، و لذا حكي عن بعض شرّاح الفقيه دعوى صراحة الخبر المزبور في عدم الرجوع ليومه [٢]. إلّا أن يكون قوله فيه:
«و كان رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) ... إلى آخره»، ليس منه (عليه السلام) بل من كلام الصدوق، و لا يخفى عليك بُعد الاحتمال المزبور أو فساده.
و ليس في ثانيهما سوى بيان إرادة أنّه لو فعل هذا الذي كان قصده من الذهاب و المجيء لتحقّق صدق شغل بياض يوم الذي هو مدار المسافة، خصوصاً و قد عرفت سابقاً أنّ المعتبر في المسافة قصدها لا قطعها في يوم واحد، فمن كان من قصده السير بريدين أو مقدار بياض يوم قصّر و إن قطع ذلك في أيّام.
كما أنّك عرفت الإشارة في هذه النصوص إلى إرادة إرجاع التلفيقيّة إلى الثمانية الذهابيّة بالطريق الذي سمعته، فالمتجه الاكتفاء فيها بما يكتفى في الثانية من اعتبار مجرّد القصد و إن كان القطع في أيّام.
على أنّ أخبار أهل مكّة كالصريحة في عدم إرادة الرجوع لليوم؛ لظهور بعضها و صراحة الآخر في إرادة الخروج إلى عرفة للحجّ الذي لا يجوز معه الرجوع ليومه.
فمن الغريب تنزيل بعضهم إيّاها على الرجوع ليومه [٣] أيضاً كغيرها من النصوص، كما أنّه من الغريب أيضاً دعوى انصراف إطلاق جملة من هذه النصوص إلى إرادة الرجوع لليوم؛ لأنّه الغالب في السفر المفروض في هذه الأخبار؛ إذ هو إنّما يكون إلى الضياع و الزيارة و التقاضي و نحو ذلك، كما يسير الناس من أطراف الكوفة إلى الحيرة أو من بعض ضياعها إلى مسجدها الأعظم للزيارة و الصلاة ثمّ الرجوع؛ إذ هي واضحة المنع.
و من هنا ذهب ابن أبي عقيل في المحكيّ عنه إلى وجوب القصر بمطلق قصد الرجوع قبل عشرة أيّام، قال:
«كلّ سفر كان مسافته بريدين و هو ثمانية فراسخ، أو بريد ذاهباً و بريد جائياً و هو أربعة فراسخ، في يوم واحد أو ما دون عشرة أيّام، فعلى من سافره عند آل الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) ... أن يصلّي صلاة المسافر ركعتين» [٤].
بل ظاهره أو صريحه دعوى الإجماع على ذلك، و هو الحجّة له بعد إطلاق النصوص التي كاد يكون بعضها صريحاً في عدم
[١] تقدّم في ص ٤٦٨.
[٢] روضة المتّقين ٢: ٦٤٠.
[٣] الذكرى ٤: ٢٩٣- ٢٩٤.
[٤] نقله في المختلف ٣: ١٠٢.