جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٧٦ - المواسعة و المضايقة في القضاء
..........
على أحسن وجه و أجمله كما يعرف بالتأمّل فيما مضى ممّا قدّمنا.
بل لو أغضينا عن ذلك كلّه كان مقتضى الضوابط المقرّرة في تعارض الأخبار المتكافئة أنّها تفرض بمنزلة الكلام الواحد من متكلّم واحد ثمّ ينظر فيما يظهر منه ممّا يقرب حمله عليه، و من المعلوم أنّه لو صنع ذلك كان استفادة جواز تقديم كلٍّ من الحاضرة و الفائتة منه أوضح شيء.
نعم قد يصعب ظهور الرجحان في أيّهما لتعلّق الأمر بكلٍّ منهما، و كأنّه لأنّه في كلٍّ منهما خصوصيّة مقتضية خصوصاً صاحبة الوقت حال فضيلته.
و ربّما كان اختلاف الأخبار فيه مومئاً إلى ذلك، و إلى اختلافه بالنظر إلى المكلّفين باعتبار كثرة القضاء و عدمه، و التكاسل و التسامح في فعله و عدمه، و قِدم فواته و عدمه، و نحو ذلك من الجهات و الاعتبارات. و لا يبعد رجحان مراعاة فضيلة الوقت عند خوف فواتها، و التجرّد عن تلك الاعتبارات على تقديم الفائتة، و الأمر سهل. و أمّا دعوى رجحان الجمع بين أدلّة الطرفين بتفصيل المصنّف أو العلّامة أو غيرهما- ممّا سمعته سابقاً في محلّ النزاع- على ما ذكرنا هنا فهي بمكانة من الضعف، لا تخفى على من له أدنى تأمّل و نظر فيما تقدّم من تلك الأدلّة الخالية عن الإشارة إلى شيء منها، عدا مورد سؤال أو جواب في بعض الأخبار يقطع بعدم إرادة ذلك التفصيل منه؛ لأنّه لم يسق لبيانه، بل لعلّ سياقه ظاهر في إرادة المثال منه.
و مع ذلك ففي جملة من تلك الأدلّة ما ينافي هذه التفاصيل كلّها، فضلًا عن كونها عارية عن الشاهد المعتبر، كما لا يخفى على من لاحظها أدنى ملاحظة.
و من هنا كان تطويل الكلام في بيان ذلك- بذكر الأدلّة و تفصيلها و بيان منافاتها- لا طائل فيه و لا حاجة تقتضيه، بل من المعلوم و الواضح أنّهم (عليهم السلام) لو أرادوا شيئاً من هذه التفاصيل لم يكتفوا في بيانها بمثل هذه الأقاويل.
بل قد يدّعى الاستراحة من بيان فسادها بأنّها خرق للإجماع المركّب على عدمها و عدم غيرها من التفاصيل، و إلّا لكان يمكن دعوى تفصيل يجمع به بين الأدلّة أحسن منها؛ بأن يدّعى إرادة وجوب المبادرة العرفيّة في سائر الفوائت التي لا يقدح فيها التأخير في الجملة، خصوصاً إذا كان لمصلحة في الصلاة كتجنّب زمان مكروه أو أحوال لا يحصل فيها التوجّه للعبادة من نهار سفرٍ و نحوه، على وجهٍ لا يحصل فيه عسر و حرج و استنكار، بل يجعل له أوراداً معلومة في أوقات معلومة.
نعم يستثنى من زمان تلك المبادرة الصلاة الحاضرة خصوصاً وقت فضيلتها حتى لو قلنا باقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه، و أمّا غيرها فيبنى على مسألة الضدّ، نعم قد يلحق بها في ذلك الاستثناء الرواتب و ما يساويها أو يزيد عليها من فعل بعض الرغائب ذوات الأوقات الخاصّة، لا المستحبّات المطلقة.
بل قد يدّعى عدم خرق مثل هذا التفصيل للإجماع دونها؛ لإمكان دعوى عدم ظهور كلام بعض قدماء القائلين بالتوسعة في نفيه، بل دعوى ظهور بعض الكلمات منه أو من غيره فيه. و نسأل اللّٰه تعالى أن يوفّقنا لكتابة رسالة في المسألة تشتمل على تفاصيل الأقوال و الأدلّة، بل و ما سمعته في عنوان المسألة من الترتيب و حرمة فعل المنافي و وجوب العدول و نحوها بحيث يجعل كلّ واحد منها مسألة مستقلّة، و ينظر فيه للموافق و المخالف و ما يصلح له و عليه؛ لكي لا يقع اضطراب في الذهن و تشويش في الفكر، و هو الموفّق لأمثال ذلك، و الميسّر للمسالك و المدارك، و العاصم و الساتر و الغافر لزلل هاتيك المهالك.