جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٩٤ - المسألة الثانية من فاتته صلوات لا يعلم كميّتها
..........
إشارة في كثير من كلماتهم إليها. بل قضيّةُ تنزيل إطلاقهم الاكتفاء بالظنّ على ما سمعته من حال العسر و الحرج في تحصيل العلم سقوط القضاء بالمرّة لا وجوبه إلى أن يحصل الظنّ؛ إذ لا مدرك للسقوط حال العسر إلّا كونه حينئذٍ كالمشتبه بغير المحصور الذي يسقط فيه خطاب المقدّمة أصلًا حتى الميسور منه أيضاً، كما هو واضح.
فلا وجه- بناءً على ما ذكرنا من إرادة العلم من غلبة الظنّ في كلامهم قديماً و حديثاً حتى نسب للقطع به في كلامهم، و ربّما حكي عن الغنية الإجماع عليه [١]، كما أنّه عساه يفهم من غيرها أيضاً- للإنكار عليهم بأنّه لا دليل عليه من النصوص و غيرها.
إذ هم حينئذٍ [أي حين إرادة العلم من غلبة الظنّ] في غنية عنها [عن النصوص] بقاعدة توقّف الشغل اليقيني على البراءة اليقينيّة المقتضية وجوب القضاء إلى أن يحصل العلم بالفراغ؛ ضرورة كون المقام من أفرادها و إن كانت الأفراد التي اشتبه فيها المكلّف به مختلفة في القلّة و الكثرة. بل ينبغي القطع به فيما لو كان عالماً بقدر الفوائت ثمّ نسيه فدار بين أفراد متعدّدة؛ إذ لا ريب حينئذٍ [أي حين ما كان عالماً بقدر الفوائت] في بقاء الخطاب واقعاً بذلك المنسيّ و لو من جهة الاستصحاب الذي لا يقطعه عروض النسيان بعد إمكان امتثاله بإتيان عدد يعلم دخوله فيه. فالتمسّك حينئذٍ بأصالة البراءة في نفي الزائد عن القدر المتيقّن- الذي هو القدر المشترك بين سائر الأفراد التي اشتبه فيها المكلّف به- لا وجه له قطعاً.
بل و كذا فيما لو لم يسبقه علم بالقدر، بل كان اشتباهه فيه من أوّل الأمر لإجمال ما كلّف و خوطب به عليه، فلا يقطع بالامتثال إلّا بفعل ما يعلم به ذلك، لا أنّه يكتفي بفعل ما يرفع به يقين الشغل؛ إذ من الواضح إرادة صدق الامتثال منه بتمام المأمور به بعد أن علم أنّه مكلّف، لا عدم يقين الشغل كما في سائر باب المقدّمة من الثوب النجس و غيره.
و دعوى بعض الشافعيّة- التي احتملها العلّامة في التذكرة [٢]، بل استوجهها في المدارك و الذخيرة تبعاً للمحكيّ عن المقدّس الأردبيلي [٣]- الاكتفاء بقضاء ما تيقّن فواته و نفي الزائد بالأصل في المسألة الثانية من المسائل الثلاث التي عرفت أنّها جميعاً من وادٍ واحد؛ تمسّكاً بما دلّ من المعتبرة [٤] على عدم الالتفات للشكّ في الصلاة خارج وقتها، و بمساواتها بعد التحليل لما إذا علم الفوات من أيّام معيّنة ثمّ شكّ في الزائد عليها. يدفعها:
١- ظهور تلك الأدلّة في الشكّ في نفس الفوات ابتداءً لا فيما يتناول الفرض.
٢- و ظهور الفرق بين تيقّن مقدار معيّن ثمّ الشكّ في الزائد و بين سلخ القدر المتيقّن من الأفراد التي وقع الاشتباه فيها؛ إذ الأوّل محلّ أصل البراءة؛ لأنّه شكّ في التكليف نفسه و إن قارنه علم بتكليف آخر، بل سائر موارده من هذا القبيل، بخلاف الثاني الذي قد علم فيه التكليف الدائر بين الخمسة و الستّة و العشرة مثلًا.
و إتيانه بالخمسة التي هي على كلّ حال مخاطب بها- إمّا لأنّها هي التمام أو بعضه- لا يحصل معه القطع بامتثال ما علم أنّه مكلّف به من ذلك الأمر المجمل ظاهراً المعيّن واقعاً؛ ضرورة عدم صلاحيّة الأصل لتنقيح أنّ الخمسة مثلًا هي تمام المأمور به، بل لا ريب في ذمّ العقلاء له على تركه الفرد الذي يحصل به يقين الامتثال؛ إذ هو كأمر السيّد عبده بإكرام عدد خاصّ من علماء البلد لم
[١] الغنية: ٩٩.
[٢] التذكرة ٢: ٣٦١.
[٣] المدارك ٤: ٣٠٧.
[٤] راجع الوسائل ٤: ٢٨٢، ب ٦٠ من المواقيت، ح ١، ٢.