جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٢٤ - الطرف الثاني ما يعتبر في الإمام
..........
فيها منها التي هي بالنسبة إليه في جنب العدم، و كيف يعرف الشخص ببعض أحواله، مع أنّا نرى بالعيان تفاوت الناس أجمع في ذلك؟! فكم من شخص تراه في غاية الورع متى قهر بشيء أخذ يحتال و يرتكب ما لا يرتكبه غيره من المحرّمات في قهر من قهره، كما نرى ذلك كثيراً في أهل الأنفة و الأنفس الآبية، و آخر متى أصابه ذلّ و لو حقيراً ارتكب من الامور العظيمة- التي تستقرّ بها نفسه- ما لا يفعله أعظم الفسّاق، بل أغلب الناس كذلك و إن كانت أحوالهم فيه مختلفة، فمنهم بالنسبة إلى ماله، و منهم بالنسبة إلى عرضه، و منهم بالنسبة إلى أتباعه و أصحابه.
فدعوى أنّه بمجرّد الخلطة على جملة من أحواله يحصل الجزم و الاطمئنان بأنّه في سائر المعاصي- ظاهرها و باطنها ما عرض له مقتضاها و ما لم يعرض- له ملكة يعسر عليه مخالفتها مقطوع بفسادها.
و كيف؟! و قد سئل الأردبيلي- على ما نقل- ما تقول لو جاءت امرأة لابسة أحسن الزينة متطيّبة بأحسن الطيب و كانت في غاية الجمال و أرادت الأمر القبيح منك؟! فاستعاذ باللّٰه من أن يبتلى بذلك، و لم يستطع أن يزكّي نفسه. فمن الواضح فساد ذلك كلّه، سيّما بالنسبة إلى حال كثير من رواة الأخبار، و إن قلنا بكون التزكية من الظنون الاجتهادية. لكنّ دعوى حصول الظنّ بالملكة العامة لسائر المعاصي- كذب و افتراء و غيرهما- بمجرّد نقل بعض أحواله كما ترى. و مراعاة الأخبار تقضي بأنّ العدالة أمرها سهل، كما ينبئ عنه الحث على الجماعة سفراً و حضراً، و قولهم: إذا مات الإمام أو أحدث قدم شخص آخر ممّن خلفه. على أنّ أمر العدالة محتاج إليه في كثير من الأشياء كالطلاق و الديون و الوصايا و سائر المعاملات، و هي على هذا الفرض في غاية الندرة، بل لا يخلو من العسر و الحرج قطعاً، بل ظاهر الرواية التي هي مستندهم خلافه؛ لقوله (عليه السلام) فيها: «ساتراً لعيوبه و أن يكون معروفاً بالستر و العفاف و إذا سئل عنه قيل لا نعلم منه إلّا خيراً» [١]، خصوصاً مع ملاحظة لفظ الستر.
بل قد يقطع بعدم وجود الملكة في أكثر أصحاب النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم)، و لذلك صدر منهم ما صدر من ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و كتمان الشهادة، حتى ورد [٢] أنّهم كلّهم دخلهم شكّ عدا المقداد و أبي ذرّ و سلمان و عمّار. و احتمال زوالها عنهم بمجرّد موت النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) مستبعد جدّاً، كما في سائر أهل الملكات؛ إذ الظاهر أنّ الملكة على تقدير زوالها إنّما تزول بالتدريج لا دفعة، كما اتفق لهم، فتأمّل. مضافاً إلى أنّ الحكم بزوالها عند عروض ما ينافيها- من معصية أو خلاف مروّة- و رجوعها بمجرّد التوبة ينافي كونها ملكة. و احتمال أنّ المراد الملكة مع عدم وقوع أحد الكبائر خلافُ ظاهر تعريفهم من أنّها عبارة عن الملكة الباعثة على ذلك، و لا ريب أنّ اتفاق وقوع الكبيرة لا يرفع أصل الملكة. و إرادة أنّه يرتفع الحكم بها يدفعها حكمهم بعودها بمجرّد التوبة من غير حاجة إلى تجديد الاختبار.
و دعوى أنّ ذلك أمر تعبّدي شرعي للإجماع، و إلّا فلا يحتاج للاختبار للملكة- نعم يحتاج إلى زمان يعرف منه الندم، و قد يظهر ذلك في أيسر زمان- يدفعها: أنّ الثابت من الشارع أنّه بفعل ذلك يكون فاسقاً لا عدلًا غير مقبول الشهادة مثلًا، كما هو مقتضى التعريف، و كون الشأن فيها كالشأن في الكريم إذا بخل، و الشجاع إذا جَبن يقتضي عدم ارتفاعها بذلك، كما لا يرتفع الحكم بكونه شجاعاً و كريماً بعد حصول الملكة.
[١] هذه مقاطع من خبر ابن أبي يعفور المتقدّم في ص ٢٢١.
[٢] البحار ٢٢: ٣٢٧، ٣٣٢، ح ٣٢، ٤٤.