جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٦٩ - المسافة الملفّقة
..........
١٣- و صحيح عمران بن محمّد: قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام): جعلت فداك إنّ لي ضيعة على خمسة عشر ميلًا خمسة فراسخ، فربّما خرجت إليها فاقيم فيها ثلاثة أيّام أو خمسة أيّام أو سبعة أيّام فأتمّ الصلاة أم اقصّر؟ قال: «قصّر في الطريق و أتمّ في الضيعة» [١]. بناءً على حمل الأمر فيه بالإتمام في الضيعة على التقيّة؛ لعدم إيجابها بنفسها القصر عندنا كما ستعرف، فيكون القصر فيه حينئذٍ للتلفيق.
١٤- و صحيح ابن وهب: قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): أدنى ما يقصّر فيه الصلاة، فقال: «بريد ذاهباً و بريد جائياً» [٢].
١٥- و موثّق محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): سألته عن التقصير؟ قال: «في بريد، قال: قلت: بريد؟! قال: إنّه إذا ذهب بريداً و رجع بريداً شغل يومه» [٣]. إلى غير ذلك من النصوص المرويّة في الكتب الأربعة و غيرها الظاهرة فيما ذكرنا إن لم تكن صريحة، و حملها على التخيير- لو سلّمنا قبول بعضها له- فلا ريب في عدم قبول الآخر له كأخبار مكّة و نحوها.
و احتمال إرادة الويل و الويح فيها على التزامهم بالتمام و عدم مشروعيّة القصر- تبعاً لما سنّه عثمان و تبعه معاوية بعد أن التمس على ذلك و باقي الامراء كما رواه زرارة في الصحيح عن الباقر (عليه السلام) [٤] مفصّلًا- لا على أصل الجواز؛ و لذا لم يفتِ أحد بمضمونها من وجوب التقصير إذا لم يرد الرجوع ليومه؛ ضرورة كونهم حجّاجاً، إلّا النادر، بل أعرضوا عنها أو حملوها على ما ذكرنا.
ممكن في خصوص هذه الأخبار مع عدم صراحة بعضها في كونهم حجّاجاً. و دعوى قابليّة الجميع- عداها- للحمل على التخيير و لو بمخالفة الظاهر ممنوعة كلّ المنع. على أنّه لا داعي إلى ارتكاب هذه التعسّفات و لا شاهد على هذه التأويلات سوى معارضتها لأخبار الثمان و مسير يوم المتقدّمة سابقاً.
و الجمع بينها بإرادة ما يشمل الملفّقة من الثمان- كما شهدت به النصوص التي سمعتها- أولى من الحمل على التخيير من وجوه بعد اشتراكهما في منافاة الظاهر؛ ضرورة تبادر تعيين كون المسافة ثمانية ذهابيّة.
١٤/ ٢١٠/ ٣٥٢
خصوصاً مرسل ابن بكير منها عن الصادق (عليه السلام): في الرجل يخرج من منزله يريد منزلًا آخر أو ضيعة له اخرى، قال: «إن كان بينه و بين منزله أو ضيعته التي يؤمّ بريدان قصّر، و إن كان دون ذلك أتمّ» [٥].
و لو لا إشارة ما سمعته من النصوص السابقة إلى الجمع بينهما بإرجاع المسافة الرباعيّة للثمانية بإرادة التلفيقيّة، لكان المتّجه العمل بكلٍّ منها من دون إرجاع بعضها إلى بعض، فيكون إثبات كون المسافة ثمانية ذهابيّة من النصوص الأوّلة، و تلفيقيّة على الوجه المفروض من الثانية، و لعلّنا نلتزمه فيما لا يقبل إرادة الملفّقة من الثمانية؛ لظهوره أو صراحته في ذلك.
كما أنّه ينبغي التزام طرح ما يدلّ على عدم جواز القصر و الإفطار فيما دون الثمانية الذهابيّة، أو تأويله و لو بعُد فيه.
و على كلّ حال هو أولى من التخيير العاري عن الشاهد، بل المخالف للشواهد كما هو واضح.
[١] الوسائل ٨: ٤٩٦، ب ١٤ من صلاة المسافر، ح ١٤.
[٢] الوسائل ٨: ٤٥٦، ب ٢ من صلاة المسافر، ح ٢.
[٣] المصدر السابق: ٤٥٩، ح ٩.
[٤] الوسائل ٨: ٤٦٥، ب ٣ من صلاة المسافر، ح ٩.
[٥] الوسائل ٨: ٤٩٢، ب ١٤ من صلاة المسافر، ح ٣.