جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٧٣ - المواسعة و المضايقة في القضاء
..........
و لمّا رأى جماعة منهم أنّ الأئمّة (عليهم السلام) حكموا بكثير ممّا اشتهر خلافه بين الناس و لا سيّما العامّة- و كشفوا عن المراد بكثير من الآيات و الروايات ممّا هو بعيد إلى الأذهان، بل لا يصل إليه عدا المعصوم أحد من أفراد الإنسان- جعلوا ذلك وسيلة إلى الاقتحام على نسبة كثير من الأكاذيب إليهم، و اختلاق الأضاليل و البدع عليهم، فمن هنا أمر الأئمّة (عليهم السلام) بالعرض على الكتاب لسلامته من الكذب و الاختلاق.
لكن من المعلوم إرادة النصوص القرآنية منه أو الظواهر التي لا يحتاج فهم معناها إلى العصمة الربّانية، أو احتاج لكن على سبيل التنبيه للغير، بحيث يكون بعد الوقوف هو الظاهر المراد لديه، لا الآيات التي ورد تفسيرها بالأخبار الظنّية التي تلحق من جهتها بالبطون الخفيّة، و على فرض صحّتها بالسرّ المخزون و العلم المكنون؛ إذ ذاك في الحقيقة عرض على الخبر الذي لا مزيّة له على المعروض؛ ضرورة أنّ الكذوب كما يمكنه اختلاق الكذب على الأئمّة (عليهم السلام) فيما لا يتعلّق بالتفسير كذلك يمكنه الاختلاق فيما يتعلّق به، بل قيل: قد طعن في الرجال على جملة من أرباب التفسير- الذين شأنهم نقل الأخبار في ذلك عن الأئمّة (عليهم السلام)- كما طعن على أرباب الأخبار، و وجد في التفاسير المنقولة عنهم (عليهم السلام) أكاذيب و أباطيل كما وجدت في غيرها من الأخبار.
فدعوى بعض الناس إرادة الأعمّ من ذلك [١] ممّا لا يصغى إليها و إن بالغ في تأييدها و تشييدها، بل شنّع على الأصحاب بما غيرهم أولى به عند ذوي الألباب، و تفصيل الحال لا يناسب المقام.
و لا ريب في موافقة أخبار المواسعة للكتاب الذي عرفته في الاستدلال عليها لا أخبار المضايقة؛ إذ قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي) [٢] المفسّر بما سمعت- مع أنّك قد عرفت تفصيل الحال فيه- ليس هو إلّا من قبيل القسم الثاني من الكتاب الذي قد ذكرنا أنّه في الحقيقة عرض على الخبر لا الكتاب، بخلاف أخبار المواسعة المعروضة على الإطلاقات القرآنية الدالّة على وجوب الحاضرة على ما عرفته سابقاً.
بل منه يظهر أيضاً ترجيحها بالموافقة للمعلوم من السنّة النبويّة و أخبار الذرّية العلويّة التي قد امرنا بالعرض عليها أيضاً في ١٣/ ١٠٠/ ١٥٨
غير واحد من الأخبار [٣].
بل و بمخالفة العامّة أيضاً الذين جعل اللّٰه الرشد في خلافهم ٤؛ لأنّهم حجبوا بأعمالهم عن الوصول إلى الحقّ و الرجوع إلى أهله، و بما روي عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال لبعض أصحابه: «أ تدري لِمَ امرتم بالأخذ بخلاف ما يقول العامّة؟ فقال: لا أدري، فقال:
إنّ عليّاً (عليه السلام) لم يكن يدين اللّٰه بدين إلّا خالف عليه الامّة إلى غيره إرادة لإبطال أمره، و كانوا يسألون أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الشيء الذي لا يعلمونه فإذا أفتاهم جعلوا له ضدّاً من عندهم ليلبسوا على الناس» [٥]، بل و بغير ذلك ممّا ليس ذا محلّ ذكره؛ إذ القول بالمواسعة و عدم وجوب تقديم الفائتة مخالف للمحكيّ من مذاهب جمهور العامّة، بل القول برجحان تقديم الحاضرة مخالف للمحكيّ عن جميعهم.
و لا ينافي ذلك اشتمال بعض أخبار المضايقة على ما لا يقول به كثير من العامّة؛ إذ ذاك إن كان يقدح فإنّما هو بالنسبة إلى
[١] الحدائق ٦: ٣٥٤.
[٢] طه: ١٤.
[٣] ٣، ٤ الوسائل ٢٧: ١٠٦، ب ٩ من صفات القاضي.
[٥] الوسائل ٢٧: ١١٦، ب ٩.