جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٩ - المواسعة و المضايقة في القضاء
..........
على أنّ المبادرة تجزي عنه في رفع العقاب و إن لم يتّفق له التمكّن من الإتمام، بخلاف غيرها؛ إذ لم يعلم التمكّن في ثاني الأوقات.
فإنّه ربّما يموت تاركاً كما هو مقتضى الإمكان و الأصل في كلّ حادث، فتبقى ذمّته مشغولة و يستحقّ العقاب على تركه باختياره؛ إذ لا يعتبر في الترك- الموجب لذلك- أن يكون بحسب جميع الأحوال الممكنة في حقّه، بل بما هو الثابت واقعاً في شأنه، و لمّا كان الواقع غير معلوم قبل وقوعه لم يمكن الإحالة عليه، حتى يختلف باختلافه بالنسبة للأشخاص فيكون مضيّقاً على واحد و موسّعاً لآخر، فوجب إناطته بالتضييق المتّحد بالنسبة للجميع.
فمن ترك الفعل استحقّ العقاب بهذا الإقدام، و إن كان إذا أدرك الفعل في الوقت الثاني امتثل أصل التكليف بالفعل، بل ربّما يكون ذلك سبباً للعفو عنه إن ساعد الدليل كما في الفريضة عند بعضهم.
و هذا و إن كان ليس إثباتاً لتضييق الخصم- الذي هو بمعنى حرمة التأخير و لو علم المكلّف الإدراك في ثاني الأوقات- لكنّه متّحد معه في الثمرة.
يدفعها [١]:
مع أنّها سفسطة عند التأمّل منع اقتضاء طبيعة الوجوب الذي هو القدر المتيقّن من القولين ذلك، و كفاية الأصل المعلوم حجّيته في ثبوت الإذن الشرعيّة بالتأخير و إن لم يكن إلى بدل حتى العزم؛ لأنّه- بعد تسليم بدليّته و وجوبه على المكلّف عوضاً عن الترك- يمكن دعوى اختصاصها بالموسّع الذي استفيد من خطاب شرعي توسعته، لا التوسعة الناشئة من الأصل التي مرجعها عدم العلم بكيفيّة الوجوب المراد هنا، و أنّه من المضيّق الذي لا يكون العزم بدلًا عنه أو من الموسّع الذي تثبت بدليّته عنه.
و استلزام ذلك الجواز ترك الواجب لا إلى بدل.
يدفعه:
١- مع أنّه لا بأس بالتزامه في الواجب الموسّع فضلًا عمّا نحن فيه:
أ- للاكتفاء في تحقّق الوجوب بوجود جهة تمنع من تركه عند الضيق و نحوه.
ب- و لعدم ثبوت دليل معتبر على إيجاب العزم على المكلّف بعنوان البدليّة، و إن أمكن استفادته من بعض الامور التي ليس ذا محلّ ذكرها، لكنّها تصلح مؤيّدة للدليل لا أن تكون هي الدليل.
٢- وضوح الفرق.
أ- بين الجواز الذي ينشأ من الأصل؛ لعدم علم المكلّف بالتكليف.
ب- و بين الجواز الذي يحصل بنصّ الشارع.
إذ ليس الأوّل جوازاً ابتدائياً من الشارع كي يحتاج في الإذن فيه إلى إقامة بدل عن المتروك، بل سببه جهل المكلّف، و عدم وصول كيفيّة التكليف إليه تفصيلًا، و إجمالُ الأمر عليه و لو لتعارض الأدلّة، بخلاف الثاني.
[١] خبر قوله: «و دعوى» في الصفحة السابقة.