جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٢٩ - كفاية تواري الجدران أو خفاء الأذان في حدّ الترخّص
..........
و لعلّ اختيار الأصحاب هذا التعبير على ما في الصحيح لإرادة بيان كون المراد به ذلك؛ إذ المواراة عن البيوت لا سبيل إلى معرفة المسافر لها على التحقيق إلّا باستتاره عنها. و احتمال إرادة من في البيوت من البيوت في الصحيح، يدفعه- مع أنّه إضمار بلا قرينة، و عدم معلوميّة كون من في البيوت على السطوح أو الأرض، و مقدار الارتفاع و الانخفاض و نحو ذلك-: أنّ المناسب حينئذٍ أن يقدّره باستتار من في البيوت عليه؛ لأنّه هو الذي يستطيعه المسافر حتى يكون علامة؛ ضرورة عدم معرفته أنّه استتر عن أهل البيوت أو لا؛ إذ ذاك أمر لا يرجع إليه. اللهمّ إلّا أن يجعل ذلك على سبيل التخمين.
و فيه: أنّه لا وجه له مع تمكّنه منه على طريق التحقيق بأن ينظر إلى من في البيوت و لم ير أحداً منهم، فيعلم أنّه توارى عنهم؛ لأنّ الغالب مساواة الأشخاص و الأنظار، فلو كان ذلك هو العلامة لاعتبر الشارع الطريق إليها. فعلم كون المعتبر خفاء نفس البيوت لا من فيها. فالوجه حينئذٍ بناء ذلك على التسامح في مثل هذا التفاوت اليسير، و لعلّه لاختلاف المسافرين باعتبار سهولة كلٍّ من العلامتين عليه، بل عدم تيسّر الاخرى له إلّا بمراعاة التقدير الذي يصعب الاطمئنان به في كثير من الأمكنة.
بل جزم بعض فضلاء المعاصرين بأنّ السبب في ذكر العلامتين التسهيل و التخفيف على المكلّفين [١] بالاكتفاء في التقصير بأيّهما حصل من غير التفات إلى صورة الاجتماع و حصول أحدهما و تخلّف الآخر، و إنّما المراد كون خفاء الأذان سبباً في الجملة و كذا الجدران، فيكفي في صدق ذلك إذا كان كلٌّ منهما منفرداً بدون الآخر كما هو الغالب على ما في الرياض [٢].
بل جعل المعاصر المزبور ذلك هو مراد الأصحاب حتى من ذكر «الواو» فضلًا عن «أو». لكن فيه: أنّه مبنيّ على أنّ اعتبار المعيّة في كلام بعضهم مخصوص بما إذا اجتمعا.
أمّا إذا سافر عن مكان لا جدران فيه أو لا أذان وجب الاكتفاء بأحدهما من غير ملاحظة الآخر. كما جزم به الفاضل في الرياض ٣ و المقدّس البغدادي و غيرهما، بل ظاهر الأخير منهما أنّه من القطعيّات التي لا شكّ فيها. و هو و إن كان على تقديره فيه نوع تأييد للمطلوب عند التأمل إلّا أنّه للنظر فيه مجال؛ لظهور مثل هذه العبارات في أمثال هذه المقامات- نصّاً و فتوى- في إرادة التقدير عند الفقدان. فالمتّجه حينئذٍ بناءً على اعتبار المعيّة- التي جعلت وجه جمع بين الخبرين- اعتبار تقدير المفقود كما إذا فقدا معاً، فإنّه لا ريب في التقدير حينئذٍ و إن ذكره في الروض احتمالًا [٤].
اللهمّ إلّا أن يقال: فرق بين المقامين؛ ضرورة انحصار الطريق في الثاني في التقدير، و لا مرجّح لأحدهما على الآخر، بخلاف ما إذا وجد أحدهما و فقد الآخر فإنّه لا مانع من الاكتفاء به عملًا بما دلّ عليه، و لا حاجة إلى تقدير الآخر، بل لا معنى له؛ إذ أقصى ما يسلّم من ظهور الخبر في التقدير، إنّما هو فرض وجوده في خصوص ذلك الوقت بعد أن يكون أصله موجوداً. أمّا إذا كان لا وجود له أصلًا فلا معنى لتقديره، خصوصاً إذا كان البناء على المعتاد في تلك البلاد في مقدار ارتفاعه و مكان الأذان، كما يومئ إليه إضافة الأذان إلى المصر مثلًا و نحو ذلك، فتأمّل.
و كيف كان ف [- المتجه على المختار ...].
[١] مجمع الفائدة و البرهان ٣: ٤٠٢- ٤٠٣.
[٢] ٢، ٣ الرياض ٤: ٤٣٥.
[٤] الروض ٢: ١٠٤٥.