جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٩٥ - إنفاذ الأحكام في المساجد
[لكن عدم كراهة إنفاذ الحكم مطلقاً، أي سواء كان دائماً أو جدليّة هو الأقوى]
كون الحكم منهم بغير ما أنزل اللّٰه لتقصير في مقدّمات أو اتّباع للشهوات- و بيننا الذين لا نأمن من شيء من ذلك، بل نحن إليه أقرب من غيره، و نسأل اللّٰه العصمة فإنّه المفزع و الملجأ في الامور كلّها.
و المتبادر من تعريف الضالّة- الذي عبّر به الفاضل [١] أيضاً- انشادها لا نشدانها، كما فهمه الشهيد الثاني [٢] و سبطه [٣] تبعاً للمحقّق الثاني في الجامع و الفوائد [٤]، فينحصر دليله حينئذٍ في التعليل في مرسل الفقيه [٥] الثاني و في مرسله الأوّل ٦ نفسه و خبر الحسين بن يزيد ٧ بناءً على إرادة ذلك من الضالّة في الأوّل و «تنشد» في الثاني لظهور اشتقاقه من الإنشاد الذي هو بمعنى التعريف لا النشدان الذي هو بمعنى طلبها كما عن الصحاح [٨] التصريح بهما معاً، و يكون تركهما النشدان- كالمحكي عن الحلّي [٩]- لعدم كراهته عندهما، أو لاستفادة حكمه بالمساواة أو الأولويّة من التعريف أو أنّهما لم يذكرا حكمه.
لكنّ الثلاثة كما ترى؛ إذ لا مجال لإنكار كراهته بعد صراحة المرسل الثاني به.
و دلالة التعليل في خبر جعفر بن إبراهيم [١٠] و صحيح ابن مسلم [١١] عليه، و المساواة أو الأولويّة المزبورتين.
و احتمال المرسل الأوّل و خبر الحسين له مستقلّاً أو مع الانشاد، خصوصاً المرسل باعتبار امتناع ترجيح إضمار الأوّل عليه، بل المرسل الثاني شاهد على إضماره، كشهادته على الاشتقاق من النشدان لا الإنشاد في خبر الحسين.
و لعله لذا ربّما ظهر من بعضهم اختصاصه بالكراهة دونه، خصوصاً على ما ستسمعه من المناقشة في شمول التعليل له، و كذا لا وجه لاتّكالهما على المساواة أو الأولويّة بعد ما عرفت من نصّ الخبر، كما أنّه لا وجه لسكوتهما عن بيانه. فمن هنا فهم المحقّق الثاني و الشهيد الثاني في بعض كتبهما إرادة الإنشاد و النشدان [١٢] من التعريف، و الأمر سهل بعد ما عرفت من وضوح الدليل على كراهتهما معاً. و المناقشة في كراهة الأوّل منهما بأنّ الإنشاد من أعظم العبادات، و الأولى به الجامع، و أعظمها المساجد، فلا يشمله التعليل، و في كراهته أيضاً أو الثاني أو فيهما بخبر عليّ بن جعفر: سأل أخاه (عليه السلام) عن الضالّة أ يصلح له أن تنشد في المسجد؟
فقال: «لا بأس» [١٣].
يدفعها: أنّ المساجد ليست لمطلق ما يحصل به الثواب، و إلّا فكثير من الامور السابقة المكروه فعلها فيها- حتى البيع و الشراء إذا كانا لتحصيل المئونة الواجبة أو المندوبة- قد تقترن بما يقتضي استحبابها.
و أنّه يمكن الجمع بين الحقّين بالإنشاد على أبوابها كما ذكره الأصحاب في باب اللقطة على ما حكاه في الروض عنهم [١٤].
و أنّه لا تنافي بين نفي البأس و الكراهة، لا أقلّ من أن يكون كالعامّ و الخاصّ.
[١] القواعد ١: ٢٦٢.
[٢] الروض ٢: ٦٢٩.
[٣] المدارك ٤: ٤٠٢.
[٤] جامع المقاصد ٢: ١٥٠. فوائد الشرائع (حياة الكركي) ١٠: ٢٢٤.
[٥] ٥، ٦، ٧ تقدّم في ص ٣٩٠، ٣٩١.
[٨] الصحاح ٢: ٥٤٣.
[٩] السرائر ١: ٢٧٩.
[١٠] تقدّم في ص ٣٩١.
[١١] تقدّم في ص ٣٩٢.
[١٢] حاشية الإرشاد (حياة الكركي) ٩: ٧٦. الروضة ١: ٢٢٠.
[١٣] الوسائل ٥: ٢٣٤، ب ٢٨ من أحكام المساجد، ح ١، و ليس فيه: «له».
[١٤] الروض ٢: ٦٣٠.