جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٩٤ - إنفاذ الأحكام في المساجد
..........
الحاكم في نفسه الذي هو مستحبّ أو واجب، و فعله النبيّ و أمير المؤمنين عليهما الصلاة و السلام.
بل كأنّه في بالي أنّ الحكومة المعروفة من داود كانت في المسجد.
٤- و بما في كشف اللثام من «أنّ في بعض الكتب: أنّه بلغ أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ شريحاً يقضي في بيته، فقال: «يا شريح اجلس في المسجد فإنّه أعدل بين الناس، و أنّه وهن بالقاضي أن يجلس في بيته» [١]» [٢].
و لا مخلص عن ذلك بالقول بكراهة المداومة دون النادر كما اختاره المصنّف على الظاهر في كتاب القضاء [٣] و تبعه بعض من تأخّر عنه [٤]؛ لظهور ما سمعت في التكرار و المداومة؛ إذ لو سلّم احتمال ندرة قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام)- و أنّ الإضافة في دكّة القضاء لعلّها لوقوع قضيّة غريبة من قضاياه نحو دكّة المعراج فإنّها لم تتشرّف إلّا مرّة واحدة كما في كشف اللثام [٥]- فلا يسلّم ذلك بالنسبة إلى النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم)؛ لمعروفيّة مواظبته (صلى الله عليه و آله و سلم) على إنفاذ الأحكام في المسجد.
و من هنا مال بعض متأخّري المتأخّرين إلى عدم الكراهة في ذلك [٦] تبعاً للمحكيّ عن الشيخين و سلّار و الحلّي [٧] و غيرهم من المتقدّمين، بل ربّما كان ظاهرهم الاستحباب، بل لعلّ عدم الكراهة خيرة الأكثر حتى من عبّر بالإنفاذ؛ لاحتمال إرادة الإجراء و العمل على مقتضاها من الحبس و الحدّ و التعزير و نحوها، و لا ينافيه ذكر الحدود حينئذٍ مستقلّة تبعاً للنص، و لأنّها أفحش. و على ذلك يحمل النصّ المتقدّم الذي لا يصلح لمعارضة ما عرفت ممّا يقضي بعدم الكراهة أو الاستحباب. أو يحمل كالفتوى بمضمونه على إرادة الحكومات الجدليّة خاصّة لا مطلق الحكم.
لكن فيهما: أنّه لا دليل حينئذٍ على كراهة الأوّل أيضاً، و مجرّد احتمال النصّ له لا يجدي، اللهمّ إلّا أن يكون من جهة التسامح، سيّما مع تأيّده بمساواته لإقامة الحدود. و اقتضاء الثاني الكراهة في بعض الأفراد، و ما سمعته قاضٍ بعدمها مطلقاً، و عدم تكليف المتحاكمين الجدل [٨]. فلعلّ الأقوى في النظر عدم الكراهة [في إنفاذ الحكم] مطلقاً، و النصّ إمّا مطّرح أو محمول على إرادة الأحكام الصادرة من قضاة العامّة؛ لأنّها باطل محض، فيكون إطلاقهم (عليهم السلام) الأحكام وسيلة إلى التعريض بذلك، أو على ما لا نعلمه، و التسامح في المكروه لعلّه حيث لا معارض.
لكن و مع ذلك فالاحتياط باجتناب الحكم في المساجد فضلًا عن إجرائها و العمل على مقتضاها تخلّصاً من الوقوع في المكروه لا ينبغي تركه، حتى على احتمال استحباب الحكم لا إباحته خاصّة.
خصوصاً مع وضوح الفرق بين النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) و أمير المؤمنين (عليه السلام) و نحوهما- ممّن هم مأمونون عن الخطأ في الواقع و عن احتمال
[١] المستدرك ١٧: ٣٥٨، ب ١١ من آداب القاضي، ح ٣.
[٢] كشف اللثام ٣: ٣٣٠.
[٣] الشرائع ٤: ٧٤.
[٤] الارشاد ١: ١٤٠.
[٥] كشف اللثام ٣: ٣٢٩.
[٦] مجمع الفائدة و البرهان ٢: ١٥٣.
[٧] المقنعة: ٧٢٢. النهاية: ٣٣٨. المراسم: ٢٣٠. السرائر ١: ٢٧٩.
[٨] في بعض النسخ بدلها: «و تكليف المتحاكمين عدم الجدل».