جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٣٥ - تباعد المأموم عن الإمام كثيراً
لكن و مع ذلك كلّه فالأحوط و الأفضل مراعاة ما لا يتخطّى بالخطوة المتعارفة ملاحظاً فيه موقف المصلّي لا مسجده كي يتحقّق التواصل. و إن كان الأقوى (١) من أنّ المدار على العادة في القرب و البعد بالنسبة للإمام و المأموم، و إلى الصفوف بعضها مع بعض، و إلى أشخاص الصفّ الأوّل بعضهم مع بعض (٢)، فيصير الصفّ الأوّل مثلًا حينئذٍ إماماً للصفّ الثاني و هكذا، لا أنّه يراعى القرب و البعد للإمام بالنسبة إلى سائر المأمومين المعلوم بالضرورة خلافه. و لذا قال المصنف (أمّا إذا توالت الصفوف فلا بأس) بالبعد الكثير عن الإمام بالغاً ما بلغ (٣). نعم ينبغي تقييده بما إذا لم تطل الجماعة بحيث يؤدّي إلى التأخّر المخرج عن الاقتداء (٤).
ثمّ لا فرق عندنا في جميع ما ذكرنا بين الجامع و غيره (٥). كما أنّه لا فرق في هذا الشرط بين ابتداء الصلاة و استدامتها، نحو غيره من الشرائط من الحائل و العلوّ و نحوهما (٦). فلو حصل حينئذٍ البُعد الذي لم يعف عنه في أثناء الصلاة بعد أن لم يكن بطل الاقتداء و وجب الانفراد إن لم نقل بمشروعيّة الانتظار لمن انتهت صلاته حتى يسلّم الإمام فيسلّم معه، أو قلنا به و لكن لم ينتظر بناءً على كون ذلك جائزاً له لا واجباً. أو أنّه انتظر و لكن لم نقل ببقاء أحكام الجماعة عليه، بل كان ذلك تعبّداً، فيكون حينئذٍ كمن سلّم و خرج فيتعيّن الانفراد حينئذٍ و يبطل الاقتداء.
نعم له تجديده لو ائتمّوا هؤلاء جديداً بعد انتهاء صلاتهم، أو أمكنه المشي بحيث لا يكون فعلًا كثيراً مثلًا إلى محلّ القرب، بناءً على جواز تجديد الائتمام في الأثناء، بل لعلّه أولى منه؛ لسبق القدوة (٧).
(١) [كما] عليه المشهور.
(٢) لعدم الفرق بين الجميع نصّاً و فتوى.
(٣) بلا خلاف أجده، بل قد تشعر عبارة الذكرى بالإجماع عليه [١]، بل قد سمعت فيما تقدّم معقد إجماع إرشاد الجعفرية.
(٤) كما قيّده به جماعة، و لعلّه مستغنى عنه؛ ضرورة كون المانع حينئذٍ التخلّف الفاحش عن الإمام، المخرج عن اسم الاقتداء باعتبار عدم علمه بانتقالاته.
(٥) لعدم ما يصلح له. خلافاً للمحكيّ عن الشافعي فجوّز التباعد بثلاثمائة ذراع في الأوّل؛ لكونه مبنيّاً للجماعة ٢، بخلاف الثاني، و ضعفه واضح.
(٦) لاقتضاء ما دلّ عليه- من معقد الإجماع أو غيره- ذلك؛ ضرورة كون الصلاة المشترط فيها ذلك اسماً للمجموع.
(٧) و من هنا صرّح في البيان و الدروس [٣] و الروض و المسالك [٤] و غيرها بأنّه لو خرجت الصفوف المتخلّلة بين الإمام و المأموم عن الاقتداء- إمّا لانتهاء صلاتهم كما لو كان فرضهم القصر، و إمّا لعدولهم إلى الانفراد- و قد حصل البعد المانع عن الاقتداء انفسخت القدوة، بل صرّح بعضهم بعدم عوده لو انتقل بعد ذلك إلى محلّ الصحة [٥]، و لعلّه بناءً منهم على عدم جواز تجديد الائتمام في الأثناء. خلافاً للمدارك و الحدائق فجعلاه شرطاً في الابتداء دون الاستدامة [٦]، و ربّما نُسب للشهيد في قواعده ٧، كما عن الذخيرة أنّه استحسنه [٨]، و ربّما مال إليه في الرياض ٩. و لا ريب في ضعفه؛ لخلوّه عن الشاهد له بعد الغضّ عن كونه عليه.
[١] ١، ٢ الذكرى ٤: ٤٣٠. المجموع ٤: ٣٠٨.
[٣] البيان: ٢٣٥. الدروس ١: ٢٢٠.
[٤] الروض ٢: ٩٨٥. المسالك ١: ٣٠٧.
[٥] ٥، ٧ البيان: ٢٣٥. تمهيد القواعد: ٥٢٩.
[٦] المدارك ٤: ٣٢٣. الحدائق ١١: ١٠٨.
[٨] ٨، ٩ الذخيرة: ٣٩٤. الرياض ٤: ٣٠٤.