جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٧٨ - المسافة الملفّقة
..........
د- إنّ المنساق من هذا الخطاب اشتراط الرجوع مطلقاً و إن لم يكن ليومه بتقييد إطلاق البريد في الصدر بالتعليل الظاهر في اشتراط الرجوع، و حمل شغل اليوم فيه على مطلق الشغل دون الشغل بالفعل.
لا أنّ المفهوم منه الاكتفاء بالبريد من دون الرجوع أصلًا، و إن توهّم أخذاً بإطلاقه في الصدر، و حملًا للتعليل على التقريب إلى الأفهام بجعل شغل اليوم كناية عن المشقّة التي هي علّة تقريبيّة للقصر؛ إذ هو كما ترى.
و لا أنّ المفهوم اشتراط الرجوع لليوم بتقييد إطلاق البريد بظاهر التعليل، و تقييد إطلاق الرجوع فيه بما دلّ منه على شغل اليوم بالفعل، و تقييد إطلاق المفهوم بالسير الملفّق.
و استقامة الفهم و اعتداله مع كثرة ممارسته لأخبارهم و معاني كلماتهم (عليهم السلام) الشاهد على ما ذكرنا، فتأمّل و تدبّر.
و منها: موثّق زرعة و سماعة [١]: سألته عن المسافر في كم يقصّر الصلاة؟ فقال له: «في مسيرة يوم، و ذلك بريدان، و هما ثمانية فراسخ، و من سافر قصّر الصلاة و أفطر إلّا أن يكون مشيّعاً لسلطان جائر، أو خرج إلى صيد، أو إلى قرية له تكون مسيرة يوم يبيت إلى أهله لا يقصّر و لا يفطر» [٢].
و عن بعض نسخ الاستبصار «متّبعاً» [٣] بدل قوله «مشيّعاً»، كما أنّه عن كتابي الصلاة و الصوم من التهذيب: «إلّا أن تكون رجلًا مشيّعاً» [٤] من دون ذكر السلطان، و في الصوم منه: «من سافر فقصّر الصلاة أفطر» [٥] فجعل الإفطار تابعاً للقصر، و فيه مكان قوله: «يبيت» «لا يبيت» بزيادة «لا»، و عن بعض النسخ «لا يلبث» [٦] باللام موضع «لا يبيت».
إذ الظاهر إرادة المسافة التلفيقيّة من مسيرة اليوم، على أن يكون الأهل الذي يبيت عندهم الذين خرج منهم لا في القرية؛ لعدم الإشعار في الرواية بأنّ له فيها أهلًا و لا هي مظنّة ذلك و إن كانت ملكاً له، بخلاف بلده الذي هو وطن، فإنّ وجود الأهل له فيه كالمعلوم بالعادة فيكون في قوّة التصريح به في العبارة.
و قد يطلق الأهل و يراد الوطن؛ لاتّخاذ الأهل به غالباً، و هو كثير في المحاورات، فلا يتوقّف صدقه حينئذٍ على وجود الأهل بالفعل، بخلاف الملك و القرية، فإنّه لا يطلق ذلك إلّا مع العلم بوجود الأهل فيهما بالفعل، فالمراد ببيتوتته إلى أهله حينئذٍ في بلده. و هو قرينة واضحة على أنّ المسافة بينه و بين القرية دون سير اليوم؛ إذ لو كان مسيرة يوم لشغلها في الذهاب، فلم يتأتّ له الرجوع إلى البلد بحيث يبيت فيه إلى أهله مع قضاء وطره من القرية، خصوصاً إذا اريد ببيتوتته إلى أهله كلّ الليل كما هو ظاهر اللفظ.
و أيضاً لو كان المراد بلوغ المسافة بينهما مسير اليوم لزم اختصاص الحكم بنفي القصر و الإفطار بنفس القرية، فلا يتناول الطريق إليها؛ لبلوغه حدّ المسافة الموجبة للقصر و الفطر من دون قاطع في الأثناء.
و لا ريب أنّ الظاهر تناول الحكم للطريق كما يدلّ عليه استثناء هذا السفر من السفر الذي يجب فيه الأمران مطلقاً.
[١] في المصدر: «عن زرعة، عن سماعة».
[٢] ذكر صدره في الوسائل ٨: ٤٥٣، ب ١ من صلاة المسافر، ح ٨، و ذيله في ٤٧٧، ب ٨، ح ٤.
[٣] اشير إليه في هامش الاستبصار ١: ٢٢٣ «مستتبعاً».
[٤] التهذيب ٣: ٢٠٧، ح ٤٩٢.
[٥] التهذيب ٤: ٢٢٢، ح ٦٥٠.
[٦] لم يُشر إليها في هامش التهذيب.