جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٧٩ - المسافة الملفّقة
..........
و يشهد له قصد الطريق فيما قرن به من التشييع و الخروج إلى الصيد.
بل الظاهر أنّ قوله: «لا يقصّر و لا يفطر» متوجّه إلى الجميع، فيكون الحكم في الكلّ على نهج واحد، و إلّا لزم التفكيك الركيك.
و بالجملة: فالرواية مسلّطة على فهم دخول الطريق في المستثنيات كلّها، و لا يتأتّى ذلك إلّا إذا قصد التلفيق في الأخير؛ لانقطاع المسافة حينئذٍ بالوصول إلى القرية الواقعة في الأثناء.
و يكون حاصل المراد بالرواية أنّ المسافر يقصّر و يفطر إلّا في ثلاثة مواضع:
١- التابع للسلطان الجائر؛ لأنّه سفر معصية.
٢- و قاصد للصيد للّهو [١].
٣- و مريد السفر إلى قريته و إن كان سفره بالذهاب و الإياب ليومه يبلغ البريدين و مسيرة يوم؛ لانقطاع سفره بالوصول إلى القرية، و لولاه لكان فرضه التقصير.
و فيه- مع أنّه محتاج في انطباقه على الأحكام المعلومة بين الأصحاب إلى تقييدات كثيرة و في صحّته بالنسبة إلى ما نحن فيه إلى تجشّمات عديدة طويناها مخافة التطويل من غير طائل-: أنّه لا يكاد يظهر منه ظهوراً معتبراً في استفادة الأحكام الشرعيّة من أدلّتها التفصيليّة اعتبار الرجوع ليومه على وجه يكون شرطاً لوجوب القصر، كما لا يخفى على من مارس النصوص و راعى الإنصاف، و إن أطنب العلّامة الطباطبائي في مصابيحه في بيان ذلك [اعتبار الرجوع ليومه على وجه يكون شرطاً لوجوب القصر] و ادّعى ظهوره في ذلك [٢]، لكنّه كما ترى، فتأمّل. و منها ما عن البحار عن شرح السنّة للحسين بن مسعود: أنّه «ذهب قوم إلى إباحة القصر في السفر القصير، روي عن عليّ (عليه السلام) أنّه خرج إلى النخيلة فصلّى بهم الظهر ركعتين ثمّ رجع من يومه» [٣]. و لا يقدح فيه الإرسال بعد الانجبار، و لا أنّه من طرق العامّة؛ إذ هو- مع أنّ رواية ابن مسعود منهم المعتبر في النقل بيننا كما يومئ إليه الاعتماد على كتبه في التواريخ و السير- منجبر أيضاً بما عرف. و لا بأس في الموافق لفتاوى الأصحاب و لو كان من طرقهم، خصوصاً إذا كان مخالفاً لما عندهم، على أنّه ورد الأمر [٤] بما يروونه عن عليّ (عليه السلام).
نعم قد يخدشه أنّه لم يثبت كون النخيلة على بريد من الكوفة مثلًا كي يكون من المسافة التلفيقيّة، بل قد يشهد ما قيل من أنّها معسكر الكوفة [٥]- و أنّه خرج (عليه السلام) يوماً إليها راجلًا لمّا غضب على أهل الكوفة [٦]؛ لتقاعدهم عن حرب أهل الشام- بأنّها كانت قريبة من المصر، فتكون الرواية مهجورة، على أنّه لو سلّم كون النخيلة على بريد فصاعداً من الكوفة- كما يومئ إليه بعض الأمارات التي ليس هنا محلّ ذكرها؛ إذ هي و إن كانت معسكرها لكنّه لا بأس ببعدها عنها لعظم المصر، بل الظاهر من ملاحظة بعض الأخبار و غيرها أنّ النخيلة هي المسمّاة الآن بذي الكفل أو مكان قريب منه، فتكون على بريد من المصر- لكن لا دلالة في
[١] و في باقي النسخ: «لصيد اللهو».
[٢] مصابيح الأحكام: الورقة ٧٩، ٨١.
[٣] البحار ٨٩: ١٥، ذيل الحديث ٤.
[٤] الوسائل ٢٧: ٩١، ب ٨ من صفات القاضي، ح ٤٧.
[٥] رسالة بحر العلوم (مفتاح الكرامة) ٣: ٥٣٢.
[٦] معاني الأخبار: ٣٠٩، ح ١.