جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٧٧ - المسافة الملفّقة
..........
تردّد حتى يتعيّن الحمل عليها؛ لحجيّة المعنى المتبادر من اللفظ و إن استلزم التقييد في المنطوق و المفهوم من وجوه فضلًا عن وجه، و هو في حيّز المنع، بل لعلّ المتبادر لما عرفت خلافه. على أنّ أقصى ما يدلّ عليه- بعد تقييد الرجوع باليوم- هو وجوب التقصير في البريد لكونه مسافة إذا رجع فيها المسافر ليومه كان شاغلًا له، و هذا لا يدلّ على تحقّق الرجوع في اليوم و لا على فعليّة الشغل له؛ لأنّ صدق الشرطيّة لا يتوقّف على وجود الشرط و الجزاء، بل على وجود الجزاء على تقدير وجود الشرط. و مقتضى ذلك تحقّق شغل اليوم على تقدير تحقّق الرجوع، و أين هذا من القطع بتحقّقه في الواقع؟!
و دعوى أنّ الشرطيّة من حيث هي و إن كانت كذلك إلّا أنّها تختلف باختلاف أدوات الشرط و وجود القرائن و الأدلة المقتضية ليقين [١] الوجود و العدم و انتفائها. و من المعلوم- المصرّح به في علم المعاني و غيره- أنّ «إذا» للجزم بالوقوع، كما أنّ «لو» للجزم بعدمه، و «إن» للشكّ، و المراد فرض الأمر الواقع و تقديره أو الأمر المجزوم بعدمه كي يتحقّق فيهما معنى الشرط الموضوعين له الذي هو بمعنى الفرض و التقدير المنافيين للقطع و الجزم.
فيكون الرجوع المشروط ب«- إذا» في الموثّق المزبور متحقّقاً على ما هو الأصل في «إذا»، و من هنا عبّر عنه بلفظ الماضي الذي هو أدلّ على التحقّق من غيره، و عطف على الذهاب- المعلوم تحقّقه- ليكون تابعاً له في ذلك.
بل يؤيّده أيضاً أنّه أولى- في رفع الاستبعاد الواقع للسائل من القصر في بريد- من فرض الرجوع بلا تحقّق، بل قد يقال بعدم رفعه الاستبعاد.
و منه يعلم وضوح فساد القول بدلالة هذا الموثّق على الاكتفاء في القصر بالبريد و إن لم يرجع و إن وقع من بعض الأعلام تمسّكاً بصدره و حملًا للتعليل فيه على التقريب للأذهان دون التحقيق؛ إذ هو كما ترى من غرائب الكلام؛ لأنّه- مع أنّ الأصل في العلل التحقيقيّة دون التقريبيّة- لا فرق بينهما في اعتبار صلاحيّة العلّة في كلٍّ منهما في الجملة و إن افترقا بجواز تخلّف الثانية- كالمشقّة في القصر و نحوها- بخلاف الاولى.
أمّا مع عدم صلاحيّتها للتعليل بالمرّة فلا تصلح تقريبية؛ إذ هي كالتعليل بالامور الباطلة التي لا مدخليّة لها أصلًا. و كتعليل القصر في الثمانية بأنّها تكون ستّة عشر و نحو ذلك، و لا ريب في كونه من الخرافات التي يجلّ عنها ألفاظ أرباب الكلمات حتى لو تعسّف. و قيل: إنّ المراد من التعليل لازم المذكور في اللفظ- أي المشقّة- لا نفسه، فيكون التعليل تقريبيّاً [٢] حينئذٍ.
يدفعها:
أ- بعد إمكان منع اعتبار ذلك في «إذا» أوّلًا كما يشهد له استعمالها في العرف و غيره في الأعمّ من ذلك.
ب- و احتمال اختصاصها- بعد التسليم- في الكلام الملاحظ فيه النكت البديعيّة و المحسّنات البيانيّة وسيق بقصد إظهار القدرة على البلاغة و الفصاحة، لا الكلام المقصود به مجرّد التفهيم، و جارٍ على مقتضى كلام غالب الناس و سوادهم.
جبل من المحتمل أنّه كلام الراوي ناقلًا بالمعنى للفظ المعصوم.
[١] في المصدر: «لتعيين».
[٢] رسالة بحر العلوم (مفتاح الكرامة) ٣: ٥٢٥.