جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦٢ - المواسعة و المضايقة في القضاء
..........
رواة المواسعة مقابل ذلك، و لذا ردّه غير واحد بأنّ الرواة رووا أخبار الطرفين.
و كم له من عجيب جرّ به الطعن إلى نفسه ممّن تأخّر عنه من الأساطين، بل و من عاصره، فإنّك قد سمعت [١] أنّ سديد الدين محمود الحمصي- المعاصر له، صاحب التصانيف الكثيرة، علّامة زمانه في الاصوليّين [٢]، كما عن تلميذه منتجب الدين- كان يطعن عليه بأنّه مخلط لا يعتمد على تصنيفه.
و لعلّه أخذه ممّا يظهر عليه من إرادة الترويج.
فربّما يدّعي الدعوى و يذكر فيها الإجماع، ثمّ ينقضها في مكان آخر قريب منه و يدّعي فيها الإجماع، كما حكى عنه في مفتاح الكرامة [٣] أنّه نقل الإجماع في بحث الولاء، على أنّه إذا كان المعتق المتوفّى امرأة فولاؤها لعصبتها دون ولدها و إن كانوا ذكوراً، ثمّ رجع عنه؛ لأنّه راجع تصانيف الأصحاب و أقوالهم فوجدها مختلفة، ثمّ ما بَعُد به المدى حتى نسب إلى الخلاف خلاف ما نقل هو عنه، و ربّما يمدح الموافق له تارة؛ لأنّه وافقه، و يذمّه اخرى و يجعله عن العلم بمعزل، إلى غير ذلك ممّا يطول ذكره، بل لو أردنا استقصاء البحث في نفس عبارته التي سمعتها في الرسالة المزبورة لاحتاج إلى تسويد جملة من القرطاس، و فيما سمعته الكفاية للمتنبّه الفطن.
و ممّا سمعت يظهر البحث أيضاً في إجماعات غيره في المقام، كإجماع الشيخ في الخلاف [٤] الذي علّله بأنّهم لا يختلفون في ذلك، فإنّه يرد عليه ما سمعته في كلام المفيد، على أنّه هو بنفسه قد يشعر بعض عباراته في بعض كتبه به، بل ربّما آوى بعض أخبار المواسعة غير رادّ لها و لا مؤوّل، بل ربّما تشعر جملة من عباراته في الاستبصار [٥] بأنّ المدار في تضيّق الحاضرة عنده الوقت الاختياري. و من هنا قال بعض مشايخنا المحقّقين: إنّ كلام الشيخ في كتبه لا يخلو من اختلاف و اضطراب [٦].
و أمّا إجماع ابن زهرة فلا يخفى على الخبير حاله، بل و حال غيره من إجماعاته، بل قد يحتمل أنّ منشأه هنا دعوى المرتضى الإجماع على فوريّة الأوامر المطلقة في الكتاب و السنّة، أو تلك العبارة التي سمعتها في كلام المفيد أو غير ذلك.
و بقي إجماع الرسيات و شرح الجمل، و يجري فيهما بعض ما تقدّم.
و بالجملة: الركون هنا إلى هذه الإجماعات التي قد عرفت حالها من الفتاوى و الروايات ممّا لا يقطع بالعذر معه عند ربّ السماوات، خصوصاً بعد ما سمعت من معارضتها بالإجماعات السابقة في أدلّة المواسعة، و اشتهار الإعراض عنها في الأعصار المتأخّرة المملوّة من الأفاضل المحقّقين الذين لا يجسر على دعوى قصورهم عن المتقدّمين، بل هي على العكس أقرب إلى الصواب كما لا يخفى على ذوي الألباب، بل هم معهم أشبه شيء بقوله تعالى: (مٰا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهٰا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهٰا) [٧].
و يكفيهم في الفضل أنّهم علموا ما عند المتقدّمين و زادوا عليهم بما عندهم، و أعلم الناس من يجمع علمه و علم غيره.
و لقد أجاد المجلسي طاب ثراه فيما حكي عنه في أحكام صلاة الجمعة من البحار حيث قال: و أيّ فرق بين عمل الشهيد الثاني
[١] تقدّم في ص ٢٩.
[٢] في المصدر: «الاصولين».
[٣] مفتاح الكرامة ٣: ٣٩٥.
[٤] الخلاف ١: ٢٧٨.
[٥] الاستبصار ١: ٢٤٥.
[٦] انظر مفتاح الكرامة ٣: ٣٩٤.
[٧] البقرة: ١٠٦.