جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٨٧ - المسألة الثالثة حكم خروج المقيم عشرة أيّام إلى ما دون المسافة
..........
بل هو من الغرائب التي لا يعذر العالم في وقوع أمثالها منه.
و كيف و المقطوع به من كلمات الأصحاب هنا إرادة خروج من كان فرضه التمام إلى ما دون المسافة و إن لم ينصّ عليه بعضهم ممّن هو معتبر له، كما لم ينصّ على بعض الامور الاخر اعتماداً على كون الناظر من أهل النظر، و إلّا فما ذكره يرجع إلى القصر من غير حاجة للخروج إلى ما دون المسافة.
بل و كذا ما ذكره الشهيد أيضاً نفسه من التفصيل، و حاصله: الفرق بين ما يكون العود ممّا هو دون المسافة فيه قرب إلى بلده مثلًا أو صورة رجوع إليه، و بين ما لا يكون كذلك فيقصّر في الأوّل دون الثاني.
١٤/ ٣٧٠/ ٦٠٣
ثمّ قال: لا يقال: إنّ هذا خرق للإجماع المركّب؛ إذ الناس بين قولين، فلا قائل حينئذٍ بالتفصيل المزبور. لأنّا نقول: إنّ القائل به أكثر الأصحاب؛ لأنّهم قد أسلفوا قاعدة كلّية، و هي أنّ كلّ من نوى إقامة عشرة و صلّى تماماً ثمّ بدا له في الإقامة فإنّه يبقى على التمام إلى أن يقصد مسافة جديدة و ما ذكرناه هنا من أفراد هذه القاعدة و إن كان ظاهرهم أنّها مسألة برأسها [١].
و مراده أنّه لا يتحقّق صدق قصد المسافة عليه إلّا بما سمعته من التفصيل؛ ضرورة أنّه لو كان المقصد مثلًا في بعض الطريق التي سلكها من بلده- بحيث يكون الخروج إليه بعد نيّة الإقامة بصورة الرجوع إلى البلد و رجوعه منه بصورة الذهاب- لم يعقل كون الرجوع من محلّ هذا شأنه رجوعاً إلى بلد المسافر، و هو طرف النقيض للرجوع.
و فيه: أنّ المدار على صدق قصد المسافة و السفر و التغيّر عن محلّ الإقامة بعد في مكان من الأمكنة التي هي دون المسافة بالنسبة إلى محلّ إقامته، لا أنّ المدار على صدق الرجوع إلى البلد و عدمه، و لا ريب في تحقّق الأوّل بمجرّد قصده نزع ثوب الإقامة و الاستقرار تلك المدّة و الرجوع إلى حالة قبل الإقامة، ثمّ ضرب في الأرض حتى خرج عن محلّ الترخّص من محلّ إقامته سواء كان قطعه لهذه المسافة مستديراً أو متعاكساً أو ملفّقاً أو غير ذلك؛ إذ المدار على أنّه شرع فيما كان عليه قبل الإقامة من لباس ثوب السفر على مقتضى أغراضه و مقاصده التي تتعلّق في بعض الأمكنة ذهاباً و إياباً. و ليس المدار على صورة الرجوع أو قصده أو عليهما و عدمهما. على أنّه قد يكون المسافر على حالة يظنّ كلّ من رآه عليها أنّه ذاهب عن بلده، و هو في الواقع راجع إليها، إلّا أنّه صدرت منه تلك الحالة لعارض من ماء أو خوف طريق أو غيرهما، و بالعكس، فإنّ اشتباهات العرف- خصوصاً في المصاديق- كثيرة.
بل من التأمّل فيما ذكرنا يظهر قوّة قول الشيخ و من تابعه- كالقاضي و الحلّي [٢] و الفاضل في كثير من كتبه [٣] و عن الغريّة و الدرّة السنيّة [٤]- بالتقصير في الفرض في الذهاب و المقصد أيضاً، بل ربّما قيل: إنّه ظاهر المتن و من عبّر نحوه أيضاً، بل نسبه الشهيد إلى المتأخّرين [٥].
خلافاً لجماعة من المتأخّرين- منهم الشهيد و المحقّق الثاني [٦] و غيرهما- فلا يقصّر في الذهاب و قصّر في العود.
[١] نتائج الأفكار (رسائل الشهيد الثانى) ١: ٣٢٠.
[٢] المبسوط ١: ١٣٨. المهذّب ١: ١٠٩. السرائر ١: ٣٤٥.
[٣] المنتهى ٦: ٣٩٠. التذكرة ٤: ٤١٣. نهاية الإحكام ٢: ١٨٧.
[٤] نقله عنهما في مفتاح الكرامة ٣: ٥٩٠.
[٥] الذكرى ٤: ٣٣٠.
[٦] الدروس ١: ٢١٤. جامع المقاصد ٢: ٥١٥.