جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٨٦ - المسألة الثالثة حكم خروج المقيم عشرة أيّام إلى ما دون المسافة
..........
و كأنّ الذي الجأه إلى ذلك استبعاد احتسابه مسافراً و قاصداً للمسافة من ابتداء عوده مع إرادته التكرار، كما أومأ إليه بقوله:
«و قد صرّح الأصحاب ... إلى آخره». لكنّك خبير بأنّه يمكن أن يقال: إنّه و إن كان كذلك بادي الرأي، إلّا أنّه مع التأمّل و مراعاة قواعد الشرع في المسافر و المقيم- التي هي لا تنطبق على ما في العرف في بعض الأحيان- يرتفع ذلك الاستبعاد، و يعلم أنّ مراد الأصحاب بقصد المسافة ما يشمل مثل المقام، و أنّه لا يضرّه هذا التردّد في الأثناء، من غير فرق بين قصده ذلك ابتداءً أو بدا له في الأثناء و إن كان ظاهر الكشف الاعتراف به في الثاني، و لا بين قلّته و كثرته، و لا بين التردّد إلى مكان مخصوص أو غيره، فلا تناقض حينئذٍ بين كلماتهم كي يلتجأ منه إلى ما ذكره.
بل قد يقوى في النظر أنّ المتّجه على كلام الشيخ و من تبعه- من القائلين بالقصر ذهاباً و إياباً و مقصداً- عدم الفرق بين التكرار و عدمه؛ لاقتضاء دليلهم ذلك.
نعم يتّجه الفرق على مختار المتأخّرين من التفصيل بين الذهاب و العود، فيقصّر في الأخير خاصّة؛ ضرورة أنّه لا يعقل منهم الفرق بين الذهاب الأوّل الذي حكموا بالتمام فيه و بين الذهاب الثاني أو الثالث؛ إذ من المستبعد أن يحكموا بصدق السفر عليه مع هذا القصد ابتداءً من حين الشروع في العود ثمّ الذهاب ثمّ الإياب ... و هكذا دون الذهاب الأوّل.
و لعلّه إلى ذلك لوّح المقدّس الأردبيلي فيما حكي عنه، حيث قال: «و أمّا مع عدم نيّة الإقامة- فيكون قاصداً للرجوع مع عدم الإقامة المستأنفة أو متردّداً أو ذاهلًا- فالظاهر وجوب الإتمام مطلقاً، إلّا أن يكون في نفسه السفر إلى بلد يكون مسافة بعد العود و قبل الإقامة، و يكون بالخروج عن بلد الإقامة قاصداً ذلك بحيث يقال: إنّه مسافر إلى ذلك البلد، إلّا أنّ له شغلًا في موضع منها فيقضي شغله ثمّ يرجع إلى بلد الإقامة، فحينئذٍ يكون مقصّراً بمجرّد الخروج إلى محلّ الترخّص مع نيّة العود» ثمّ قال: «و بالجملة:
الحكم تابع لقصده، فإن صدق عليه عرفاً أنّه مسافر و تحقّقت شرائط القصر قصّر و إلّا أتمّ» إلى أن قال: «و ليس هذا بخارج عن القوانين و لا عن إجماعهم الذي نقل على وجوب القصر حين العود؛ لاحتمال كلامهم ذلك، فإنّه مجمل غير مفصّل» ثمّ قال بعد ذلك: «إنّهم قالوا: لا بدّ للقصر بعد الإقامة من قصد مسافة اخرى و من الخروج إلى محلّ الترخّص بقصد تلك المسافة بحيث يكون هذا الخروج جزءاً من ذلك السفر، و معلوم عدم تحقّق ذلك فيما نحن فيه» [١].
و إن كان في كلامه نظر أيضاً من وجوه تعرف ممّا تقدّم، و أعظمها دعواه الإجمال في كلمات الأصحاب، و تنزيله الإجماع المزبور على تلك الصورة المزبورة خاصّة مع أنّه لم يستقرّ عليها.
حتى قال ما سمعته أخيراً ممّا نسبه إلى الأصحاب من اعتبارهم كون هذا الخروج جزءاً من ذلك السفر الذي هو واضح المنع إن أراد الجميع، خصوصاً بعد مراعاة كلامهم في المقام.
كوضوح المنع فيما يحكى عن بعض من تقدّم على الشهيد الثاني [٢] حيث زعم التناقض في كلمات المقام بين من أطلق القصر فيه و بين ما تقدّم لهم من أنّ ناوي الإقامة لا يعود إلى القصر بعد أن صلّى تماماً إلّا إذا خرج قاصداً للمسافة.
فأجاب بحمل كلامهم هنا على ما إذا خرج قبل الصلاة تماماً.
[١] مجمع الفائدة و البرهان ٣: ٤٤١- ٤٤٢.
[٢] نقله في مفتاح الكرامة ٣: ٥٩٤.