جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٧٦ - المسافة الملفّقة
..........
المأخوذ هناك، و على التقديرين فالاختلاف حاصل بين الموضعين [أي المسافة الملفّقة و المسافة الامتداديّة].
فلا يكون أحدهما تابعاً للآخر موكولًا إليه، بل يكون كلّ منهما أصلًا برأسه و مستقلّاً في محلّه، فلا إشارة في نصوص بياض اليوم و نحوه إلى ما نحن فيه كالعكس، بل تلك بالامتداديّة و هذه بالتلفيقيّة، هذا.
و لكنّ الإنصاف أنّ المنساق إلى الذهن من الموثّق إرادة رفع استبعاد السائل بالأمر الثابت المعلوم المعهود المتقرّر بغير هذا الحديث.
و ليس إلّا أخبار مسير اليوم و بياض اليوم، فيكون شغل اليوم هنا أعمّ من شغله بالفعل بمقتضى الحوالة المقتضية للتوافق في المعنى، و لا ينافي ذلك اختصاص مورد تلك الأخبار بالسير الممتدّ؛ لأنّ الاستبعاد يرتفع بالمشاكلة و التنظير، و لا يتوقّف على الفرديّة و الدخول و لا التوافق من كلّ وجه، بل المراد أنّه لا استبعاد في التقصير بالبريد؛ لأنّه يشغل بالعود، فيكون كسير اليوم الواقع في الذهاب و إن لم يكن منه.
كما أنّه لا ينافيه أيضاً تخلّل المقصد في أثنائه، بخلافه يوم المسافة الامتداديّة؛ لأنّ المراد تقدير السير الواقع منه لو رجع بسير اليوم يعني البريدين.
و دعوى أنّ رفع الاستبعاد المقصود في الحديث لا يجب أن يكون بالأمر المتقرّر في غيره، بل يكفي فيه حصول شغل اليوم المقتضي لتضعيف المسافة و ظهور المشقّة التي هي علّة التقصير في السفر، و هذا معلوم من دون إحالة على التحديد ببياض اليوم و نحوه ممّا ورد في تلك الأخبار.
كما ترى واضحة المكابرة؛ لما يرى بالعيان من سبق ما ذكر إلى الأذهان.
على أنّه إن لم يجعل إشارة إلى ذلك اقتضى- بناءً على عموم المفهوم- اعتبار الشغل بالفعل في القصر بالمسافة الامتداديّة، إلّا أن يرتكب تخصيصه أو تقييده بأدلّة اخر.
و أيضاً فالرجوع المأخوذ شرطاً في قوله (عليه السلام): «و رجع بريداً» مطلق غير مقيّد باليوم، فيكون شغل اليوم المترتّب عليه بالجزاء مطلق الشغل سواء كان بالفعل أو بالقوّة، و المعنى أنّه إذا ذهب بريداً و رجع ليومه أو بعده بريداً فقد شغل يومه، أي وجد منه ما يشغل اليوم و ما من شأنه ذلك و إن لم يتحقّق الشغل بالفعل، فإنّ شغل اليوم بالفعل مع تأخّر الرجوع عنه مستحيل قطعاً.
و تأويل الشرط بما يطابق الجزاء ليس أولى من العكس، فإنّ في كلّ منهما موافقة للظاهر من وجه و مخالفة له من وجه آخر، فلا يصلح التمسّك به ما لم يعلم رجحان الأوّل، و هو ممنوع.
اللهمّ إلّا أن يدفع بأنّ الرجوع الواقع في الشرط و إن كان مطلقاً إلّا أنّه يجب تقييده بما كان ليومه؛ بقرينة الجزاء الدالّ على شغله بالفعل و حمله على وجود ما يشغل اليوم ليطابق إطلاق الشرط و إن كان ممكناً، إلّا أنّ الترجيح للأوّل لقوّة الدلالة في جانب الجزاء، فيكون تحكيمه على الشرط أولى من العكس. و لأنّ تقييد المطلق كثير شائع، فهو- كالتخصيص- خير من المجاز، بل هو في معناه المقدّم عليه بالإجماع، بل لعلّه أولى منه؛ لعدم وضع المطلق للعموم، فيكون تقييده أهون من تخصيص العامّ، خصوصاً مثل هذا المطلق الذي قيل: إنّه بنفسه ينصرف إلى الرجوع في اليوم لغلبته.
و فيه: أنّ ارتكاب هذا التقييد في المنطوق- بل و المفهوم كما سمعت- يتوقّف على تبادر الفعليّة من هذه الشرطيّة من دون