جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤١٨ - أفضليّة صلاة النافلة في البيت من المساجد
..........
كم أصلّي؟ فقال: «صلّ ثمان ركعات عند زوال الشمس، فإنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: الصلاة في مسجدي كألف في غيره إلّا المسجد الحرام، فإنّ الصلاة في المسجد الحرام تعدل ألف صلاة في مسجدي» [١].
و من هنا مال في المدارك كما عن مجمع البرهان إلى مساواتها الفريضة في رجحان فعلها في المسجد بعد أن حكاه عن جدّه في بعض تحقيقاته [٢]، و تبعه بعض من تأخّر عنه [٣].
و ربّما يؤيّده- زيادةً على ما سمعت-: قصور أدلّة المشهور عن إفادة المطلوب؛ إذ هي بين غير معتبر السند- و كون الحكم استحبابيّاً يتسامع فيه لا يجدي فيما نحن فيه ممّا كان المقابل أيضاً حكماً استحبابيّاً، فإنّه يكون حينئذٍ معارضاً بمثله- و بين غير دالّ على المطلوب كالنصوص الدالّة على استحباب التستّر بها [٤].
إذ هي- مع أنّها من المعلوم كون الحكمة فيها التخلّص عن الرياء و نحوه من وساوس الشيطان- خارجة عن المطلب؛ ضرورة كون البحث في رجحانها في المسجد و عدمه من حيث المسجديّة و غيرها مع قطع النظر عن الجهات الخارجيّة التي هي ليست بمستحيلة الانفكاك عقلًا و عرفاً. و يمكن معارضتها أيضاً بما في الطرف المقابل من رجاء اقتداء الناس به و رغبتهم في الفعل كما يومئ إليه استحباب الجهر بها في الليل [٥]، و الأمر بأخبار أخيك المؤمن و قول: «قد رزق اللّٰه ذلك» إذا سألك: «هل قمت الليلة أو صمت؟» [٦]، على أنّه ربّما تكون في المسجد أستر من غيره.
و بالجملة: الجهات و الاعتبارات في البيوت و المساجد مختلفة أشدّ اختلاف بملاحظة اختلاف الأشخاص و المساجد و البيوت و النوافل و الأزمنة، و لعلّه لذا كان المستفاد من بعض الأخبار استحبابها في المنزل و من آخر في المسجد؛ إذ لكلٍّ خصوصيّة أو مزيّة داخليّة أي لا حقة له بالذات غير مستقلّة، كرجحان كون البيت ممّا يصلّي فيه في الليل، و خارجيّة أي ممكنة الاستقلال و إن اجتمعت معه في الوجود الخارجي ككونها سرّاً مثلًا و أبعد من الرياء.
و إن كان بمعونة فتوى الأصحاب- و ظاهر الإجماعين السابقين و ظهور بعض النصوص السابقة في شدّة محبّة اللّٰه إرادة الذكر في المنزل سرّاً و غير ذلك- يمكن ترجيح مراعاة مزيّة الأوّل على الثاني إن لم تعاضده مزيّة اخرى خارجة عن المسجديّة أو داخليّة كمسجديّة خاصّة و نحوها، و إلّا فمعها قد ترجح مراعاة جهة المسجديّة على المنزل بمراتب، بل ربّما كان نفس الإحاطة بجميع المندوبات فاضلها و مفضولها جهة مرجّحة؛ ضرورة إرادة اللّٰه فعل الجميع، و لذا أمر بالفاضل و المفضول، و فعلوهما (عليهم السلام) معاً و لم يصرّوا على فعل الأفضل منها خاصّة.
و لعلّ اللّٰه قد جعل مصالح كامنة في الأشياء تختلف باختلاف العباد كما جعل في المآكل و المشارب و العقاقير و نحوها خواصّ كذلك تختلف باختلاف الأمزجة، و من كشف اللّٰه بصيرته و علم حسن سيرته و كان هو المؤيّد و المسدّد له و الهادي يوفّقه لما يحبّه و يرضاه له، قال اللّٰه تعالى: (وَ الَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا) [٧].
[١] الوسائل ٥: ٢٨٠- ٢٨١، ب ٥٧ من أحكام المساجد، ح ٦.
[٢] المدارك ٤: ٤٠٧. مجمع الفائدة و البرهان ٢: ١٤٥.
[٣] كفاية الأحكام ١: ٨٤.
[٤] انظر الوسائل ١: ٧٧، ب ١٧ من مقدّمة العبادات.
[٥] انظر الوسائل ٦: ٧٧، ب ٢٢ من القراءة في الصلاة.
[٦] المستدرك ١: ١١٥، ب ١٤ من مقدّمة العبادات، ح ٣.
[٧] العنكبوت: ٦٩.