جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٣٦ - تباعد المأموم عن الإمام كثيراً
نعم قد يقال: إنّ الشرط بقاء الصفّ لا كونهم مصلّين، فيفصّل حينئذٍ بين قيام من انتهت صلاته و عدمه، فيبقى الاقتداء في الأوّل دون الثاني (١).
[و الفصل لعدم التكبير بعد التهيّؤ للجماعة غير مخلّ، فللبعيد الإحرام قبل إحرام القريب، فضلًا عن حال عدم العلم به].
(١) كما هو خيرة المولى الأعظم في شرح المفاتيح [١].
و ربّما يؤيّده: عدم كون مثله تباعداً في العرف و العادة، بل قد يؤيّده أيضاً: نصّ جماعة- كالشهيد في البيان و الكاشاني في المفاتيح و المولى الأعظم في شرحها- على الصحّة [٢] حيث يُحرم البعيد قبل القريب، و ما ذاك إلّا للاكتفاء بالصفّ و إن لم يكن مصلّياً فعلًا. و قد يخدش: بالفرق أوّلًا بين من يؤول أمره إلى الصلاة و هو متهيّئ لها، و بين من فرغ منها و أعرض عنها و إن كان جالساً في مكانه. و بالمنع ثانياً كما اومئ إليه في المسالك و المدارك و غيرهما حيث قالا: «ينبغي أن لا يحرم البعيد قبل أن يحرم من قبله ممّن يزول معه التباعد» [٣]. و إن كان قد يدفع الأخير:
١- بعدم عدّ مثله من التباعد في العادة.
٢- و بأنّه ليس في النصوص و الفتاوى ما يشهد له، إنّما الذي فيها وجوب افتتاح المأمومين بعد افتتاح الإمام خاصّة قلّوا أو كثروا، استطالت صفوفهم أو قصرت، من غير مدخليّة للمأمومين في ذلك بعضهم مع بعض- كما هو لازم قولهما- عدا من كان متّصلًا بالإمام من الشخص و الشخصين.
٣- مع ما فيه من التضييق و التشديد لإدراك الجماعة، خصوصاً بالنسبة إلى بعض المأمومين الذين يتوقّفون في النيّة، بل فيه من الإفضاء إلى عدم حضور القلب و التوجّه ما لا يخفى.
٤- على أنّه غالباً يتعذّر أو يتعسّر على المتأخّر العلم بحصول تكبيرة الافتتاح من بين التكبيرات من المتقدّم، خصوصاً لو كان مجيئه للجماعة بعد اصطفاف الصفوف، و تهيّئهم للصلاة و شروعهم في تصوّرها و نيّتها، بل قد يفضي مراعاة ذلك إلى عدم إدراك أوّل ركعة في الجماعات المعظمة إلّا للقليل منها، بل و الركعة الثانية أيضاً، بل ربّما تفوت الفريضة تماماً خصوصاً الثنائيّة أو الثلاثيّة، و خصوصاً مع إرادة الإسراع فيها لسفر أو نحوه من الأعذار.
١٣/ ١٨٠/ ٢٩١
٥- إلى غير ذلك ممّا يمكن دعوى القطع بخلافه من السيرة المستمرّة في سائر الأعصار و الأمصار و عظم الجماعات كجماعة النبيّ و أمير المؤمنين عليهما الصلاة و السلام، و غلبة تخلّل الصفوف من لا يوثق بصحّة صلواتهم، و من أنّه لو كان كذلك لاشتهر روايةً و فتوى و عملًا اشتهار الشمس في رابعة النهار؛ لتوفّر الدواعي و كثرة الاستعمال.
و لو أنّ هذا القائل اعتبر عدم العلم بسبق المتأخّر على المتقدّم لكان أسهل من اعتبار العلم بسبق المتقدّم، و إن كان هو بعيداً أيضاً مخالفاً للسيرة المعلومة من أغلب الناس، فإنّهم لا يتوقّفون في الائتمام بعد إحراز افتتاح الإمام، خصوصاً بعد تهيئة الصفوف و شروعها في التوجّه و النيّة و نحو ذلك، و إن كان الأحوط مراعاته بل مراعاة الأوّل أيضاً.
[١] المصابيح ٨: ٢٩٧.
[٢] البيان: ٢٣٥. المفاتيح ١: ١٦١. المصابيح ٨: ٢٩٧.
[٣] المسالك ١: ٣٠٧. المدارك ٤: ٣٢٢- ٣٢٣.