جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٢٣ - حكم الحائل بين الإمام و المأموم
[و كذا لو وقف الإمام في محراب داخل في الجدار فإنّه لا يصح اقتداء مَن على اليمين و الشمال؛ لوجود الحائل، بخلاف المصلّي بحذاء الباب فإنّه يصح لعدم الحائل بالنسبة إليه].
اللهمّ إلّا أن يريد- بقرينة تصريحه السابق- الجناحين المنفصلين المتقدّمين على الصفّ الأوّل المتّصل، كما أنّ ذلك محتمل الدروس و البيان أيضاً، خصوصاً بعد ذكرهما قبيل ذلك الاكتفاء بالمشاهدة و لو بوسائط، بل و الموجز أيضاً، بل لعلّ وصف المحراب بالصحيح [١] فيه مشعر بذلك؛ إذ الظاهر منه إرادة ما ذكره جماعة من المتأخّرين في تفسير المحراب الداخل الواقع في عبارات الأصحاب. قال بعضهم: المراد الداخل في المسجد لا الحائط [٢]، على معنى أنّه يكون له جدران مستقلّة في المسجد حتى يتمّ ما ذكروه من الحكم بصلاة [أي بعدم صحّة صلاة] من إلى جانبيه؛ ضرورة حصول الحائل حينئذٍ، بخلاف الداخل في الحائط، فإنّه لا جانب له يقف فيه المأموم بحيث لا يشاهد الإمام، بل الغالب اتّصال الصفّ خلفه، فيشاهده مقابله حينئذٍ، و تتمّ صلاة الباقي الذين عن يمينه و شماله لمشاهدتهم مشاهده، فلا وجه للبطلان المذكور في كلامهم. اللهمّ إلّا أن يفرض محراب داخل في الحائط يكون كالمحراب الأوّل. لكنّك خبير أنّ ذلك منه بناءً على صحّة صلاة من على جانبي المقابل للإمام في الصفّ الأوّل؛ لمشاهدتهم له بطرف عيونهم، و من هنا التجئوا إلى تفسير العبارات بما سمعت، بل هذا منه شهادة على ظهورها فيما ذكرنا. نعم هي ظاهرة في صحّة صلاة جميع الصفّ الثاني المقابل للمشاهد و غيره؛ لعدم صدق الحائل بين الصفّين، و إن كانت صحّة الصلاة منحصرة في المقابل من الصف الأوّل، و الباقي بمنزلة العدم؛ إذ المراد بالصفّ: الواحد فما زاد، فيكون حينئذٍ حاله كحال الإمام بالنسبة إلى الصفّ الأوّل و إن طال، فإنّه يكفي تقدّم الإمام عليه و عدم الحيلولة بينهما، فكذا الصفّ الثاني بالنسبة إلى ما تقدّم، لا أنّ منشأ الصحّة فيه مشاهدة كلٍّ منهم الآخر بطرف عينه حتى ينتهي إلى المقابل، كي يرد أنّ ذلك حاصل في الصفّ الأوّل الذي هو خلف الجدار حتى ينتهي إلى الذي هو بحذاء الباب. و لعلّه لبعض ما ذكرناه بالغ الاستاذ الأكبر في شرحه على المفاتيح [٣]- على ما حكي عنه- في الإنكار على المنتهى [٤] و المدارك ٥ و من تبعهما في تفسير الصحيح بما سمعته أوّلًا، و حكمهم بصحّة صلاة تمام الصفّ الخارج عن المسجد إذا كان بعضه محاذياً للباب؛ لتحقّق المشاهدة بالمعنى المتقدّم؛ حتى ادّعى أنّهم خالفوا بذلك النصّ و فتاوى الأصحاب، مستشهداً عليه بعباراتهم التي سمعتها في المحراب. و هو و إن كان ما فيه- من دعوى صراحة تلك العبارات بذلك- محلّاً للنظر أو المنع، لكنّه جيّد بالنسبة إلى أصل الحكم؛ ضرورة أنّ هذه المشاهدة التي اعتبروها و اكتفوا منها بما سمعت ممّا لا نعرف لها مأخذاً معتدّاً به. و بعد التسليم فلم ينقّحوا سائر ما يتصوّر عليها من الفروع كالاكتفاء بمجرّد حصولها و لو بطرف العين من بعد، أو لا بدّ من الاتّصال بمن تلحظه بطرفك، بمعنى أنّه لو فرض وقوف الإمام خلف حائل لا يحصل بسببه البعد عن الجماعة، و لكنّه لم يكن متّصلًا بالمشاهد بالوسائط إلّا أنّه يلحظ بعينه بعض أطراف الجماعة المتباعدة، و لا غير ذلك من الفروع، و إن كان الظاهر من مطاوي كلماتهم الاكتفاء بنحو ذلك. إلّا أنّه حيث كانت الجماعة من العبادات التوقيفيّة و الذمّة مشغولة بيقين وجب عدم ترك الاحتياط الذي هو ساحل بحر الهلكة فيه و في سابقه مما عرفت.
[١] في المصدر: «بالمجنّح».
[٢] ٢، ٥ المدارك ٤: ٣٧٦، ٣١٨.
[٣] المصابيح ٨: ٢٨٣.
[٤] المنتهى ٦: ١٧٧- ١٧٨.