شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٥٦٠ - المقام الثاني في ذكر خلق الإنسان على الإجمال مطابقا لما ذكره بعض أرباب الحال
و «البلغم» من الركن المائي الذي عجّنه، فصار طينا؛ ثمّ أحدث فيه القوة الجاذبة التي بها يجذب الحيوان الأغذية؛ ثمّ القوة الماسكة التي تمسك ما يتعدى به [الحيوان] [١]؛ ثمّ القوة الهاضمة التي بها يهضم الغذاء؛ ثمّ القوة الدافعة التي بها يدفع العضلات عن نفسه من عرق و بخار و رياح و براز و غير ذلك؛ و أمّا تقسيم الدم [في] [٢] العروق من الكبد فبالقوة الدافعة عند قوم، و الأصحّ انّه بالقوة الجاذبة؛ ثمّ أحدث اللّه فيه القوّة الغاذية و المنية و الحاسيّة و الخياليّة و الوهميّة و الحافظة و الذاكرة. و هذه كلّها في الإنسان بما هو حيوان، غير انّ هذه القوى الأربعة، أي الخيال و الوهم و الحفظ و الذكر في الإنسان اقوى منها في سائر الحيوان، و خصّ الإنسان بالقوة المصوّرة و المفكّرة و العاقلة، و جعل هذه القوى آلات للنفس الناطقة، لتصل بذلك الى جميع منافعها المحسوسة و المعقولة؛ ثمّ أنشأه خلقا آخر و هو الإنسانيّة، فجعله درّاكا بهذه القوى حيّا عالما قادرا مريدا متكلّما سميعا بصيرا على حد معلوم فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ.
ثمّ انّ اللّه جلّ جلاله أنشأ الجسوم الإنسانية على أربعة أنواع لئلا يتوهّم انّ القدرة الإلهيّة قاصرة عن إيجادها على أنحاء مختلفة، أو انّ الحقائق لا تعطى أن تكون هذه النشأة إلّا عن سبب واحد بل لها أن تعطى من أنفسها أكثر من ذلك، و مع ذلك التنوع انطلق هذا الاسم على الكلّ بالحدّ و الحقيقة، ليعلم انّ اللّه بكل شيء عليم و انّه على كلّ شيء قدير. و قد جمع هذه الأنواع الأربعة في آية من القرآن الكريم: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى [٣] فخلق آدم، ثمّ خلق من الذكر الذي هو آدم زوجها حوّاء، و خلق من الأنثى عيسى، و خلق من مجموع الذر و الأنثى سائر الذرية، فهذه الآية من «جوامع الكلم» فالنوع الأوّل جسم آدم
[١] . الحيوان (الفتوحات):- جميع النسخ.
[٢] . في (الفتوحات): الى جميع النسخ.
[٣] . الحجرات: ١٣.