شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ١٨٤ - كلام في تحقيق الأمر بين الأمرين
ليس بقبيح، انّما القبيح الإخلال بتلك المصلحة الموجب لاختلال الربوبيّة و لوازم السلطنة، و انّ الخصال السّبع الواردة في الأخبار [١] المفضية الى أفعالهم لا ينتهي في الإفضاء الى حدّ يخرجهم عن اختيارهم، بل انّهم أوقعوا مراده على نحو ما اقتضت حكمته باختيارهم و إرادتهم من دون جبر و إلزام، كما قال مولانا أمير المؤمنين- عليه السّلام- في جواب الشيخ حين منصرفه من صفين: «أ تظنّ انّه كان قضاء حتما و قدرا لازما؟ انّه لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب و الأمر و النهي» [٢] الحديث.
هذا ما حقّقه بعض الأفاضل القدوة في تحقيق الأمر بين أمرين، و لقد بلغ الغاية في طريقة أهل الظاهر و لم نجد من علماء الشيعة من يجتهد هذا الجهد من صاغر و لا كابر، و لعمري انه قد بقي فيه أشياء قد أشرطنا على أنفسنا أن لا نتعرض لها، و انّ الشرك في بني آدم أخفى من دبيب النمل في اللّيلة الظلماء [٣]، و لكن ذلك يكفي لمن يترعرع عن صبوة العلم الى مبلغ الرجال و قنع من اللّب بقشر الأقوال، و أمّا الخائضون في لجج هذا لبحر العميق و الغائصون في طمطام هذا الزخار بالتحقيق، فقد نجّاهم اللّه عن شبائك الشرك الخفي، و هداهم الى أرائك التوحيد الجلي، فهم على سرر متقابلين، و على رفرف خضر متقائلين [٤]، يتفكّهون بإبطال القول بالإيجاب بأنحائه سواء كان في أفعال العباد أو في أفعاله، و يتنعّمون باستحالة القول بالتشريك مطلقا لا في أفعاله و هو واضح، و لا في أفعال العباد كما نفاه- عليه السّلام- في هذا الخبر بقوله: «فلا ينبغي للشريك» الى آخره، و يحكمون بأنّ الملك للّه، و لا حول و لا قوة الّا باللّه، فكما انّ العبد و كلّ شيء موجود باللّه، بل شيء باللّه، كذلك هو قادر باللّه مستقل بالفعل باللّه، مستطيع باللّه، شاء لما يشاء بمشية اللّه بل
[١] . الكافي، ج ١ ص ١٤٩ و هي: المشيئة و الإرادة و القدر و القضاء و الإذن و الكتاب و الأجل.
[٢] . نفس المصدر، ص ١٥٥.
[٣] . اقتباس من حديث: راجع: بحار، ج ١٨، ص ١٥٨.
[٤] . متقائلين: متقابلين د م ن ب.