شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٤٠٤ - الحديث الرابع احتجاج أبي عبد الله(ع) مع ابن أبي العوجاء في قدرته تعالى
بعد هذه الصحة الفطرية بعروض الشكوك و الشبهة المكتسبة من تربية الآباء الصورية و المعنوية، و لكن أبواه يهوّدانه و ينصّرانه و يمجّسانه [١]. و إذا تداركته العناية الأزليّة قادته قائد التوفيق الى دار شفاء الأرواح من صحبة الأنبياء و الأوصياء و التابعين من العلماء و الهداة الأتقياء، و يتخلص من ذلك المرض المهلك و يهتدي الى خير المسالك بإلقاء أنوار العلوم الإلهية الحاصلة من الوحي الرّبانيّ أو النور البرهانيّ كما قال عزّ شأنه حكاية عن الخليل: وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [٢].
ثمّ انّ الإمام- عليه السّلام- لمّا فرغ من ظهور القدرة في الحالات البدنية شرع في بيان ظهورها في الكيفيات الانسانية: ف «الرضا» كيفية تتبعها حركة الروح الى خارج لإيصال الخير أو إظهار السرور، و «الغضب» كيفية تتبعها حركة الروح الى خارج طلبا للانتقام، و «الفرح» كيفية تتبعها حركة الروح الى الخارج قليلا قليلا طلبا للوصول الى الملتذّ، و «الحزن» كيفية تتبعها حركة الروح الى الداخل قليلا قليلا هربا من [٣] الموذي، و «الحبّ» ميلان الى الملائم، و «البغض» بخلافه، و «العزم» توطين النفس على إيقاع أحد الطرفين بعد سابقة التردّد، و «الإيناء» خلافه، و «الشهوة» توقان النفس الى الأمور المستلذّة و يقابلها «النفرة»- و في هذا الخبر ورد بدلها «الكراهة» و هي تقابل «الإرادة» و «الشهوة» لكن لمّا كان بين كلّ من الشهوة و الإرادة و كذا النفرة و الكراهة عموم من وجه، يصح أن يعبّر عن كلّ واحد من الاثنين بالآخرة- و «الرغبة» كأنّها شدة الشهوة، و «الرهبة» شدّة النفرة، و «الرجاء» توقع أمر فيه تصور نفع، و تتبعها حركة الروح الى الخارج شوقا الى النافع، و يقابله «اليأس». و تلك الحالات كما تكون للنفس بالنسبة الى الأمور السافلة كذلك لها بالنظر الى المبادي العالية: فالرّضا هو أن ترضى بالمحبوب و المكروه، و حقيقة الرضا ما دلّ عليه قوله تعالى: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ
[١] . مستفاد من حديث: «كل مولود يولد على الفطرة فابواه ...» بحار، ج ١، ص ١٨٦.
[٢] . الشعراء: ٨٠.
[٣] . من: الى د.