شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ١٩١ - شرح الحديث
تشاء لنفسك ما تشاء» [١] و قد عرفت أيضا انّه لا وجوب من العلّة الاولى سابق، لا في أفعاله سبحانه و لا في أفعال العباد، فلا جبر أصلا و هو ظاهر، و لا تفويض إذ لم يخرج شيء عن مشية اللّه و إرادته و بالجملة من تدبيره، فلا يصحّ انتساب أفعال العباد إليه، لا انفرادا و لا تشريكا، و لا حقيقة و لا مجازا، و كذا كون العبد موجودا باللّه، قادرا باللّه، مستقلا باللّه قويّا باللّه، مستطيعا باللّه، لا يوجب أن يكون الفاعل لفعله هو اللّه كما بيّنّا في الأصول السابقة. و هذا هو الأمر بين أمرين الذي [٢] نحن عليه، لست أعني بذلك انّه أمر بين فاعلين كما زعمته طائفة، و لا انّه أمر مركّب من الجبر و التفويض، و لا انّه من جهة جبر و من جهة اخرى تفويض، فانّ ذلك كفر و شرك بل بمعنى انّه ليس فيه شائبة من الجبر أصلا لا بالذات و لا بالاعتبار، و لا فيه أثر من التفويض و استقلال العبد بالفعل و لا بشيء أصلا، بل هو أمر خارج عنهما متوسّط بينهما بهذا المعنى، إذ ليس هما طرفي نقيض حتّى لا يتحقّق الخارج عنهما.
[شرح الحديث]
إذا عرفت هذا، فاعلم انّ الإمام- عليه السّلام- ذكر الاحتمالات الممكنة في أفعال العباد باعتبار مدخلية فعل اللّه و عدمها، و هي أصول المذاهب في هذه المسألة و مرجع عقائد كلّ ذاهب من أرباب الآراء المختلفة، فقوله- عليه السّلام-:
«إمّا أن يكون من اللّه» إشارة الى مذهب أهل الجبر من الجهميّة [٣] و الأشاعرة و من يحذو حذوهم و الواو في قوله: «و ليست منه» و نظائره في الفقرتين الأخيرتين للحال، و هو إشارة الى بطلان هذا المذهب. و قوله: «فلا ينبغي للكريم» دليل على
[١] . مرّ آنفا.
[٢] . الذي: الذين م ن د ب.
[٣] . الجهميّة: الجهمة م د.