شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٦١٨ - الفصل الثاني في وجه إضافة نوره الى السماوات و الأرض، بل كونه في ذاته نور السماوات و الأرض
على عرش الوحدانية، و هاهنا وجب السكوت مخافة غيرة الجبروت [١]!
فذلكة: معنى كونه سبحانه نور السماوات و الأرض انّما يمكن معرفته بالنسبة الى النور الظاهر البصري، مثلا إذا رأيت أنوار الربيع و خضرته في ضوء النهار فلست تشكّ في انّك ترى الألوان، و ربما طننت انّك لا ترى مع الألوان غيرها، فانّك تقول:
لست أرى غير الخضرة؛ و لقد أصرّ قوم على ذلك، فزعموا انّه ليس شيء غير الألوان، و أنكروا وجود النور، لكن لمّا غربت الشمس يعرف ضرورة انّ النور معنى وراء الألوان حتّى كأنّه لشدة اتّحاد الإدراكين لا يدرك، و لكمال ظهوره يخفى، و كذلك أرباب البصائر ما رأوا شيئا الّا رأوا اللّه معه، و ربما زاد بعضهم فقال: «ما رأيت شيئا الّا و رأيت اللّه قبله» [٢] لأنّ منهم من يرى الأشياء فيراه بالأشياء، و منهم من يرى به الأشياء و الى الأوّل أشير بقوله سبحانه: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ و الى الثاني بقوله عزّ شأنه: أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [٣] و ليس بعدهما الّا درجة العوام المحجوبين، لكن بقي هاهنا تفرقة هي انّ النور الظاهر يتصوّر غيبته، بل تغيّره، فلا يستدلّ عليه بالتفرقة في الحالين، و لو غاب لانهدّت السماوات و الأرض، و أدركت التفرقة، فلمّا تساوت الأشياء [في الشهادة على وحدانية خالقها] [٤] ارتفع التفريق، و خفى الطريق [إذا الطريق الظاهر معرفة الأشياء بالأضداد] [٥] فما لا ضدّ له و لا تغير فيه، فلا يبعد أن يخفى، فسبحان من اختفى لشدّة ظهوره، و احتجب لإشراق نوره!
[١] . و هاهنا وجب السكوت ... الجبروت: و أرى الآن قبض البيان، فما أراك تطيق هذا القدر! (مشكاة ص ٦٢).
[٢] . منسوب الى امير المؤمنين علي عليه السلام كما مرّ.
[٣] . فصّلت: ٥٣.
[٤] . في الشهادة ... خالقها (مشكاة ص ٦٣):- جميع النسخ.
[٥] . إذ الطريق ... بالأضداد (مشكاة ص ٦٤):- جميع النسخ.